طبقات المعابد المقدسة فوق بعضها: لغز معبد إيميسا المفقود
تخيل تمشي داخل مبنى عادي، وفجأة تكتشف تحت أقدامك تاريخ ديني متراكم على طبقات. هذا بالضبط ما حدث في مدينة حمص السورية، المعروفة قديماً بإيميسا. مشروع ترميم بسيط كشف عن نقش يوناني قد يغير فهمنا لإمبراطور روماني غريب، وللمعابد التي بنيت له.
البداية كانت اكتشافاً عفوياً
خيالك يأخذك إلى عمال يصلحون الجامع الكبير في حمص، بشكله البيضاوي الشهير وجذوره العميقة. أثناء عملهم، لاحظوا نقشاً محفوراً في قاعدة عمود حجري. ليس شيئاً حديثاً، بل مدفوناً تحت أرضية الجامع لقرون طويلة.
الطريف أن هذا النقش ظهر أول مرة عام 2016، لكن الحرب في سوريا أخرت دراسته الحقيقية إلى اليوم. اكتشاف متأخر، لكنه مثير!
اسم يشبه قصة خيالية
دعني أعرفك على إلاغابالوس، أحد أكثر الشخصيات جنوناً في تاريخ روما. بدأ ككاهن عظيم لمعبد شمسي، ثم صعد إلى عرش الإمبراطورية في القرن الثالث الميلادي. المؤرخون يتساءلون منذ زمن إن كان معبده تحت الجامع الكبير، لكن الدليل كان مفقوداً.
ربما لم يعد كذلك الآن.
تراكم الديانات: لغز أثري مذهل
الجامع الكبير لم يُبنَ على أرض فارغة. السجلات الوسطوية تقول إنه قُام فوق كنيسة مسيحية قديمة للقديس يوحنا المعمدان. وتلك الكنيسة؟ ربما بنيت مباشرة فوق معبد وثني أقدم.
كأنها لعبة تراكم، حيث يبني كل جيل مكانه المقدس على أساس السابقين.
الدكتور معمون صالح عبد الكريم، أستاذ الآثار الذي يدرس النقش، يقول: "قد يكون هذا النقش المفتاح لمعرفة إن كان معبد إلاغابالوس تحت الجامع، أو في مكان آخر تماماً."
ماذا يروي الحجر بالضبط؟
النقش نفسه فني جداً. محفور على كتلة حجرية بحجم متر مربع تقريباً، والنص يغطي 75 سم منها. الحروف منتظمة ومتوازنة، مرتبة في صفوف أفقية، كما في الرسائل الرسمية المهمة.
المحللون يقولون إنه يصف حاكماً محارباً بصور شعرية جامحة: رياح عاتية، عواصف، وفهود. لغة عسكرية تتحدث عن هزائم الأعداء وفرض الجزية. مكتوبة باليونانية، مع لمسات نحوية خاصة بسوريا الرومانية، حيث كان الآرامية اللغة اليومية.
أهمية أكبر مما تظن
هذا ليس مجرد سؤال تاريخي صغير. يساعدنا على فهم كيف عاشت الديانات والثقافات معاً، وتغيرت في مكان واحد عبر العصور.
إيميسا مرت بثلاث تحولات دينية كبرى: وثنية أولاً مع آلهة محلية مثل إلاغابالوس، ثم مسيحية في القرن الرابع، وأخيراً إسلامية. لم تكن تغييرات مفاجئة. كل ديانة أخذت من السابقة، وبنت عليها.
يقول الدكتور عبد الكريم: "إذا ارتبط النقش برموز الشمس، فهو يثبت استمرارية الدين عبر طبقات البناء وإعادة التفسير." الديانات اللاحقة لم تدمر السابقة، بل دمجتها في عبادتها.
الصورة الكاملة
ما يثير إعجابي حقاً هو كيف يهز هذا البحث أفكارنا عن تغير الديانات. نظن دائماً أنها تحل محل بعضها فجأة وتامة. لكن إيميسا تظهر الحقيقة: الناس يعدلون الأماكن المقدسة بدلاً من تركها.
نقش صغير، متآكل، مدفون قروناً تحت أرضية جامع، قد يغير تاريخ الشرق الأوسط الديني كله.
هذا ما يشعل حماس علماء الآثار: ليس الكنوز البراقة، بل القطع الصغيرة التي توضح الماضي بوضوح أكبر.
المصدر: https://www.sciencedaily.com/releases/2026/04/260401071947.htm