كشف تاريخ الأكسجين الخفي للأرض
الأكسجين هو شريان الحياة لكوكبنا اليوم، حيث يشكل حوالي 21% من الهواء الذي نتنفسه ويغذي وجود معظم الكائنات الحية. لكن إذا عدنا بالزمن بضع مليارات من السنين، سنجد أن الأرض كانت مكانًا مختلفًا تمامًا. خلال جزء كبير من تاريخها المبكر، كانت أجواؤنا تفتقر إلى هذا الغاز الحيوي. لم يصبح الأكسجين جزءًا دائمًا من الهواء إلا قبل حوالي 2.3 مليار سنة، خلال فترة دراماتيكية تُعرف باسم "حدث الأكسدة العظيم" (GOE)، الذي غيّر وجه الكوكب ومهّد الطريق لظهور الحياة المعقدة التي تعتمد على الأكسجين والتي نعرفها اليوم.
ومع ذلك، تشير دراسة رائدة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) إلى أن بعض الميكروبات القديمة ربما اكتشفت كيفية استخدام الأكسجين قبل حدث الأكسدة العظيم بوقت طويل، ربما منذ 3.2 إلى 2.8 مليار سنة مضت. هذا الاكتشاف، الذي نُشر في مجلة Palaeogeography, Palaeoclimatology, Palaeoecology، قد يكون من أقدم الدلائل على التنفس الهوائي (عملية استخدام الأكسجين لإنتاج الطاقة) على الأرض. فكيف تكيفت الحياة مع الأكسجين مبكرًا، ولماذا استغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى امتلأ الجو به؟ دعونا نغوص في هذه القصة المثيرة.
لغز الأكسدة العظيم
يعلم العلماء منذ فترة أن الميكروبات المنتجة للأكسجين، والتي تُعرف بالسيانوبكتيريا، ظهرت منذ حوالي 2.9 مليار سنة. هذه الكائنات الدقيقة أتقنت عملية التمثيل الضوئي، مستخدمة ضوء الشمس والماء لإنتاج الطاقة مع إطلاق الأكسجين كناتج ثانوي. من الناحية المنطقية، قد تظن أن الأكسجين بدأ يتراكم في الجو على الفور. لكنه لم يحدث ذلك. هناك فجوة غامضة تمتد لمئات الملايين من السنين بين الوقت الذي بدأت فيه السيانوبكتيريا بإنتاج الأكسجين ووقت تراكمه أخيرًا خلال حدث الأكسدة العظيم.
فأين ذهب كل ذلك الأكسجين المبكر؟ طوال سنوات، اشتبه الباحثون في أن التفاعلات الكيميائية مع الصخور والمعادن استوعبت جزءًا كبيرًا منه، مما منعه من البقاء في الجو. لكن الدراسة الجديدة من MIT تضيف لمسة مفاجئة: ربما كانت بعض أشكال الحياة المبكرة نفسها تستهلك جزءًا من ذلك الأكسجين.
الإنزيمات القديمة ومستخدمو الأكسجين الأوائل
ركز فريق MIT، بقيادة علماء الأحياء الجيولوجية مثل فاطمة حسين وغريغوري فورنييه، على دليل حاسم - إنزيم يُدعى "هيم كوبر أكسجين ريدوكتاز". هذا الإنزيم هو حجر الزاوية في التنفس الهوائي، حيث يسمح للكائنات بتحويل الأكسجين إلى ماء مع توليد الطاقة. ويوجد في معظم الكائنات الحية التي تتنفس الأكسجين اليوم، من البكتيريا الدقيقة إلى البشر.
من خلال دراسة التركيب الجيني لهذا الإنزيم عبر ملايين الأنواع، تتبع الباحثون أصوله إلى عصر الميزواركي، وهي فترة جيولوجية تمتد من 3.2 إلى 2.8 مليار سنة مضت. قاموا ببناء "شجرة الحياة" التطورية باستخدام قواعد بيانات جينية ضخمة، حيث قلصوا كمية هائلة من البيانات إلى مجموعة يمكن التعامل معها من الأنواع. ومن خلال تثبيت جدولهم الزمني بأدلة أحفورية، قدروا متى تطور الإنزيم - وقدرة استخدام الأكسجين - لأول مرة. وخلصوا إلى أن هذا حدث قبل مئات الملايين من السنين من حدث الأكسدة العظيم.
هذا يشير إلى أنه بعد فترة وجيزة من بدء السيانوبكتيريا في إنتاج الأكسجين، تطورت ميكروبات أخرى قريبة لاستهلاكه. ربما كانت هذه الكائنات المستخدمة للأكسجين المبكر تعمل كفلتر طبيعي، تمتص كميات صغيرة من الأكسجين بسرعة كما يتم إنتاجه، مما يبطئ تراكمه في الجو.
إعادة كتابة قصة الحياة على الأرض
تقول فاطمة حسين، باحثة ما بعد الدكتوراه في قسم علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب بمعهد MIT: "هذا يغير قصة التنفس الهوائي بشكل كبير". تضيف نتائج فريقها إلى مجموعة متزايدة من الأدلة التي تشير إلى أن الحياة على الأرض المبكرة كانت أكثر ابتكارًا مما كنا نعتقد. بدلاً من انتظار الأكسجين ليغمر الجو، تكيفت بعض الميكروبات لاستخدامه فور ظهوره، حتى بكميات ضئيلة.
تخيل المشهد: محيطات قديمة تعج بالسيانوبكتيريا، تطلق خيوطًا من الأكسجين إلى محيطها. وبالقرب منها، تتطور ميكروبات أخرى لـ "تتنفس" هذا الأكسجين، مستخدمة إياه لتشغيل أجسامها الدقيقة. على مدى مئات الملايين من السنين، ربما حافظ هذا التوازن الدقيق على مستويات منخفضة من الأكسجين في الجو، مؤخرًا التغيير الدراماتيكي لحدث الأكسدة العظيم. إنه مثال مذهل على كيفية إيجاد الحياة طريقة للتكيف، بغض النظر عن الظروف.
لماذا هذا مهم؟
لا يقتصر هذا البحث على ملء فجوة في تاريخ الأرض فحسب، بل يعيد تشكيل فهمنا لكيفية تنوع الحياة وازدهارها في عالم متغير باستمرار. عمل فريق MIT، المدعوم من برنامج Scialog التابع لمؤسسة البحث لتقدم العلوم، يبني على سنوات من الدراسات التي تجمع قطع لغز أكسجة الأرض. كما تقول حسين: "قطع اللغز تتلاءم معًا وتؤكد حقًا كيف تمكنت الحياة من التنوع والعيش في هذا العالم المؤكسج الجديد".
بالنسبة لنا، الذين نعيش في عالم غني بالأكسجين، من الصعب تخيل وقت كان فيه هذا الغاز نادرًا. ومع ذلك، قبل مليارات السنين، كانت الحياة بالفعل تجرب طرقًا لتسخيره. هذا الاكتشاف يذكرنا بمرونة وإبداع الحياة على الأرض، حتى في أشكالها الأولى والأكثر غرابة. من يدري أي أسرار أخرى عن ماضي كوكبنا تنتظر الكشف عنها؟
المصدر: ScienceDaily