عالم العلوم والتكنولوجيا
→ الصفحة الرئيسية
أشباح 1931: العلم يقبض أخيراً على خيوط الكم التي حلم بها أينشتاين

أشباح 1931: العلم يقبض أخيراً على خيوط الكم التي حلم بها أينشتاين

2026-10-09T21:30:30.604636+00:00

شيء يُدمِّر العقل... حتى الآن

سأعترف لكم بشيء: فيزياء الكم لم تتوقف عن إذهالي. ومؤخراً، صادفت قصة تجعلها أكثر إذهالاً من أي وقت مضى.


لحظة الاكتشاف: "انتظروا... هذا حقيقي؟"

تخيّلوا معي المشهد: عام 1931. الفيزيائي هانز بيتي (نفسه الفائز بجائزة نوبل لاحقاً) يجلس研究员 يكتب بعض المعادلات. موضوعه؟ كيف تتصرف الجسيمات في فضاءات ضيقة جداً - أحادية البعد فعلاً.

ما توقّعه كان غريباً: جسيمات تتماسك معاً ليس لأن شيئاً يلصقها، بل لأنها تتفاعل بطريقة مذهلة ومحددة جداً. سمّاها "خيوط بيتي".

لقرن كامل، ظلت هذه الفكرة مجرد تمرين رياضي. شيء في الكتب. احتمال نظري جميل، لكن لا أحد رأه فعلياً.

إلى أن جاء هذا العام.

باحثون من جامعة إنسبروك، بالتعاون مع زملاء من أمستردام وميونخ، أعلنوا للتو: صنعنا خيوط بيتي. ورصدناها. وجعلناها تتصادم. ونتائجهم نشرت للتو.


كيف تصنع خيطاً كمومياً؟

هنا يصبح الأمر ممتعاً فعلاً.

الفريق بدأ بالعنصر العادي: ذرات السيزيوم - نفس المادة المستخدمة في الساعات الذرية. ثم برّدها إلى درجة حرارة تكاد تكون معدومة: مليارات من الدرجات فوق الصفر المطلق.

للمقارنة: هذا بارد بشكل لا يُصدَّق. البرودة الكافية لإيقاف كل الحركة الذرية العشوائية تقريباً.

المسة العبقرية جاءت بعد ذلك. استخدموا الليزر لقصّ سحابة الذرات الباردة إلى آلاف الأنابيب الدقيقة جداً. داخل كل أنبوب، لا يمكن للذرات إلا التحرك للأمام أو للخلف. خط مستقيم بحت.

وهذا بالضبط ما يحتاجه خيط بيتي ليظهر.

بعدها، لعب الفريق بفرقعة التفاعلات بين الذرات - جعلها جاذبة بدل طاردة - وشاهدوا كيف تتشكل حالات متماسكة. بعضها ثنائيات، وبعضها ثلاثيات، وبعضها يضم ست ذرات أو أكثر تتراقص معاً.


اختبار التصادم

هنا تحديداً أحببت هذا البحث.

الفريق أراد دليلاً قاطعاً: هل هذه الجسيمات فعلاً مرتبطة ببعضها، أم أنها مجرد تمر بجانب بعضها؟

فعلوا شيئاً أنيقاً: تركوا الخيوط تتمدد وتتصادم مع بعضها البعض.

تخيّلوا: آلاف من الخيوط الكمومية الصغيرة تصطدم ببعضها داخل أنابيبها أحادية البعد. ماذا حدث؟

صمدت. البنية المتماسكة بقيت سليمة حتى بعد الاصطدام المباشر بخيوط مجاورة.

هذا أمر مدهش حقاً. تذكّروا: هذه ليست أجساماً صلبة مربوطة بمادة لاصقة. إنها حالات كمومية جماعية. ومع ذلك، ظلت متماسكة عبر التصادمات.

ثم جاء الضربة القاضية.

أطلق الفريق القيود تماماً، ودع الذرات تنتشر في الفضاء ثلاثي الأبعاد الكامل. بما أن خيوط بيتي لا يمكن أن توجد إلا في بعد واحد، تفككت الحالات المتماسكة فوراً. طاقة الارتباط تحوّلت إلى حركة، والطاقة الكامنة انطلقت كسرعة حركية إضافية. بمقارنة هذا التمدد مع التمدد المحصور، توفر دليل واضح: خيوط بيتي كانت موجودة فعلاً.


لماذا يهمّك هذا؟

قد تسألون: تجربة علمية باردة، لكن ماذا في ذلك؟

إليكم "الماذا".

خيوط بيتي اكتُشفت من قبل في المواد الصلبة المغناطيسية. لكن تلك الأنظمة فوضوية - صعبة التحكم، صعبة التلاعب.

الطريقة الجديدة مختلفة تماماً. باستخدام الذرات فائقة البرودة، يمكن للباحثين التحكم في كل شيء: الهندسة، كثافة الجسيمات، قوة التفاعلات.

هذا يفتح خيوط بيتي كملعب تجريبي حقيقي. الآن يمكن للعلماء دراسة كيف تتشكل هذه الأشياء الكمومية الجماعية، كيف تتفاعل، وماذا يحدث حين نديرها ونضغطها بطرق مختلفة.

إنها مختبر جديد لفيزياء الجسيمات الكمومية المتعددة.

كما قال الباحث الرئيسي سوديبتا دهار: أصبح بإمكانهم الآن "صنعها في المختبر، التلاعب بها، جعلها تتصادم، واختبار استقرارها التصادمي المذهل".


الصورة الكبرى

في هذه القصة شيء مُرضٍ بشكل خاص.

هانز بيتي، يعمل فقط بالقلم والورق وبديهيته الاستثنائية في ميكانيكا الكم، توقّع شيئاً في 1931 لم تكن تكنولوجيا زمانه قادرة على التحقق منه.

بعد ثلاثة وتسعين عاماً، باستخدام الليزر والمغانط فائقة التوصيل وأدق مادة مُتحكَّم فيها في الوجود، أحضر الفيزيائيون مخلوقاته الرياضية إلى الواقع الفعلي.

يذكّرني أن الفيزياء كثيراً ما تعمل بهذه الطريقة: نحلم أولاً، ثم نبني الأدوات لنحقق أحلامنا.

لا أدري عنكم، لكنني أجد هذا ملهماً جداً.

الكون أغرب وأعجب مما نستطيع تخيّله في البداية، وببطء وحذر، نتعلم كيف نرى ما كان دائماً موجوداً هناك.


المصدر: https://www.sciencedaily.com/releases/2026/10/261006234517.htm

#quantum physics #bethe strings #ultracold atoms #physics history #quantum mechanics #scientific discovery #hans bethe