الآلة التي تهزّ أسس الفيزياء
تخيّل نفقاً دائرياً طوله ٢٧ كيلومتراً، مدفوناً تحت الحدود بين فرنسا وسويسرا. هناك يوجد أكبر معجّل للجسيمات في العالم: مصادم الهادرونات الكبير في سيرن. مهمّته الأساسية أن يبحث عن أخطاء في فهمنا للكون.
لماذا كل هذا الاهتمام؟
لدينا نظرية تُسمّى "النموذج القياسي"، وهي تشرح كيف تتكوّن المادة وكيف تتفاعل الجسيمات. نجحت هذه النظرية لأكثر من خمسين عاماً، لكنها لا تزال ناقصة. فهي لا تفسّر المادة المظلمة، ولا تشرح قوة الجاذبية. لذلك يحاول العلماء دائماً البحث عن ثغرات فيها.
"اضمحلال البطريق"؟
في إحدى التجارب، درس الباحثون نوعاً نادراً من التحوّلات يحدث لجسيم يُدعى "ميزون بي". اسم هذا التحوّل "اضمحلال البطريق"، وهو اسم غريب لكنه يصف شكل الرسم الذي يمثّل العملية.
هذه التحوّلات نادرة جداً، وتحدث مرة واحدة تقريباً من بين مليون جسيم. وعندما قارن العلماء النتائج بالتوقعات النظرية، وجدوا فرقاً صغيراً لكنه ملحوظ.
الفرق ليس كافياً بعد
الفرق الذي رصدوه يعادل احتمال خطأ بنسبة واحد من ١٦ ألف. قد يبدو هذا الرقم كبيراً، لكن الفيزيائيين يشترطون مستوى أعلى بكثير يُسمّى "خمس سيغما"، أي احتمال خطأ بنسبة واحد من ١.٧ مليون.
النتيجة الحالية تقع عند أربع سيغما، وهي قريبة لكنها ليست حاسمة بعد. يشبه الأمر أن ترى عملة معدنية تسقط على وجه واحد ١٦ مرة متتالية؛ قد تشكّ في أمرها، لكنك لا تستطيع الجزم بعد.
لماذا يثير هذا الاكتشاف الاهتمام؟
الأمر الأهم أن فريقاً آخر في المصادم نفسه وصل إلى نتيجة مشابهة بطريقة مستقلة. وعندما تتكرّر الملاحظة في أكثر من تجربة، يزداد احتمال أن تكون حقيقية.
إذا ثبتت هذه النتائج، فقد يعني ذلك وجود جسيمات أو قوى جديدة لم يتوقّعها النموذج القياسي، وهذا قد يغيّر فهمنا للكون.
الطريق لا يزال طويلاً
في العلم لا توجد لحظة "وجدتها!" المفاجئة. بل هناك سنوات من جمع البيانات والتحقّق منها. وخلال السنوات القادمة سيواصل مصادم الهادرونات جمع المزيد من البيانات، وستُجرى تجارب أخرى في أماكن مختلفة للتأكّد من هذه الملاحظات.
الخلاصة
لم يثبت بعد أن النموذج القياسي بحاجة إلى تعديل جذري، لكن العلماء وجدوا للمرة الأولى منذ عقود شيئاً لا يتطابق تماماً مع التوقعات. وهذا بالضبط ما كانوا يبحثون عنه.