عالم العلوم والتكنولوجيا
→ الصفحة الرئيسية
صنع العلماء مجهراً يراقب الخلايا الحية دون إزعاجها

صنع العلماء مجهراً يراقب الخلايا الحية دون إزعاجها

2026-10-18T09:26:11.453666+00:00

تخيل مشاهدة مدينة من داخل حافلة

حسنًا، إليك أمر سيذهلك إذا كنت من محبي العلوم.

لعقود من الزمن، استخدم العلماء مجاهر قوية لتكبير الخلايا — تلك الآلات البيولوجية الدقيقة التي تشكل كل كائن حي. ولكن تكمن المشكلة هنا: لرؤية أي شيء بوضوح، كان على الباحثين صبغ الخلايا بصبغات فلورية. الأمر يشبه ارتداء نظارات شمسية لتتمكن من الرؤية بشكل أفضل، باستثناء أن هذه النظارات قد تغير سلوك الخلية، ولا تسمح لك إلا برؤية أشياء قليلة في وقت واحد.

الآن، نجح باحثون في جامعة ستانفورد في ابتكار شيء جديد؛ مجهر يراقب الخلايا الحية وهي تقوم بمهامها دون الحاجة إلى تلك العلامات الفلورية على الإطلاق. وبصراحة؟ يبدو هذا الإنجاز أكبر بكثير مما ينال من تقدير حاليًا.

ما الذي يمكن لهذا المجهر الجديد فعله؟

يُطلق على هذا النظام اسم "المجهر الماسح التصويري التداخلي" (Interferometric Image Scanning Microscopy)، وهو اسم طويل وصعب النطق، لذا دعونا نطلق عليه اختصارًا iISM. ما الذي يجعله مميزًا؟

يمكنه مراقبة هياكل متعددة داخل خلية حية وهي تتحرك وتتغير وتتفاعل في وقت واحد — بدقة تصل إلى حوالي 120 نانومترًا. وللعلم، النانومتر هو جزء من مليار من المتر. نحن نتحدث هنا عن أحجام متناهية الصغر.

لكن السحر الحقيقي لا يكمن في الدقة فحسب، بل في قدرة العلماء على مراقبة هذه المكونات الخلوية عبر فترات زمنية ممتدة دون "قلي" الخلية بالكثير من الضوء أو تغيير سلوكها عن غير قصد. فتقليل التعرض للضوء يعني تقليل الضرر الضوئي، وتقليل الضرر الضوئي يعني خلايا أكثر صحة وطبيعية، والخلايا الأكثر طبيعية تعني علمًا أفضل.

لماذا كانت العلامات الفلورية تسبب صداعًا للعلماء؟

دعوني أوضح لكم سبب أهمية هذا الأمر، لأنني أعتقد أن التفاصيل التقنية قد تحجب مدى الإحباط الحقيقي الذي كان يواجهه الباحثون مع الأسلوب القديم.

يعتمد المجهر الفلوري التقليدي على ربط جزيئات مضيئة بهياكل محددة داخل الخلايا. وتصدر هذه الجزيئات ضوءًا عندما يتم تحفيزها، مما يجعل الهياكل المستهدفة مرئية. يبدو الأمر رائعًا، أليس كذلك؟

إلا أن هناك مشكلات:

  • يمكنك وسم هياكل قليلة فقط في المرة الواحدة.
  • يمكن أن تبهت العلامات بسبب ما يسمى "التبييض الضوئي" (photobleaching).
  • إضافة العلامات قد يغير في الواقع طريقة سلوك الهياكل.
  • وأنت ترى فقط الأشياء "الموسومة"، مما يجعلك تفقد السياق الخلوي الأوسع.

يتجنب نهج فريق ستانفورد كل ذلك. تخيل الأمر كالانتقال من استخدام مصباح يدوي لا يظهر لك سوى أشياء معينة، إلى إضاءة عامة تسمح لك برؤية كل شيء في الغرفة. أنت لا تستبدل ما يفعله المجهر الفلوري، بل تكمله بشيء لم يكن بإمكانه فعله من قبل.

كيف يعمل الأمر فعليًا؟ (لا تحتاج لشهادة في الهندسة)

هنا يكمن الجزء الممتع. يستخدم المجهر ظاهرة تختبرها كل يوم: تشتت الضوء.

هل تعرف لماذا تبدو السماء زرقاء؟ عندما يمر ضوء الشمس عبر الغلاف الجوي للأرض، تقوم الجزيئات الصغيرة بتشتيت الأطوال الموجية الزرقاء القصيرة أكثر من الأطوال الموجية الحمراء الطويلة. لهذا السبب تبدو السماء في الأعلى زرقاء بينما يبدو الغروب مائلًا للاحمرار — ضوء الشمس يتشتت في كل مكان حولك.

يقوم "المجهر التداخلي المشتت" بالشيء نفسه ولكن على نطاق مجهري دقيق للغاية. يسلط ليزر الضوء داخل الخلية، فتقوم الهياكل الصغيرة داخلها بتشتيت جزء من هذا الضوء. وبما أن إشارة التشتت ضعيفة جدًا، يستخدمون شعاع ليزر ثاني لتضخيمها — وهذا هو الجزء "التداخلي".

النتيجة؟ صور واضحة للآلات الخلوية وهي تمارس عملها دون أن يحقن أحد أي شيء أو يضيف أي علامات.

ماذا يعني هذا بالنسبة للعلم؟

وفقًا للباحثين — ومن بينهم "دبليو إي مورنر"، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2014 — يمكن لهذا الابتكار أن يساعدنا في:

  • دراسة كيفية استجابة الخلايا السرطانية للأدوية المحتملة.
  • مراقبة كيفية تفاعل الكائنات المسببة للأمراض مع الخلايا.
  • مراقبة الخلايا النباتية وهي تتواصل مع الكائنات الدقيقة.
  • فهم العمليات التي كان من الصعب دراستها سابقًا بشكل أفضل.

العبارة المفتاحية هنا هي "تكميلي". فمجهر iISM ليس مصممًا ليحل محل المجهر الفلوري، بل ليعمل بجانبه. وكما قالت الباحثة الرئيسية "ميشيل كويبرز": "إذا استخدمنا نقاط قوة الفلورية في التحديد الجزيئي، ونقاط قوة iISM في توفير السياق والديناميكيات بدون علامات، فيمكننا حقًا البدء في معالجة الأسئلة التي كان من الصعب الإجابة عليها من قبل".

بالنسبة لي، هذا يبدو أفضل سيناريو ممكن. ليس انتصار تكنولوجيا على أخرى، بل امتلاك العلماء لمزيد من الأدوات في حقيبتهم لفهم كيفية عمل الحياة فعليًا على أكثر مستوياتها جوهرية.

مشاهدة الحياة وهي تتكشف

هناك شيء يكاد يكون تأمليًا في فكرة مراقبة خلية حية لساعات، ورؤية هياكلها وهي تتحرك وتتفاعل دون أي انقطاع اصطناعي. نحن نشاهد البيولوجيا وهي تحدث حرفيًا في الوقت الفعلي تقريبًا، وبدون أي فلاتر.

هذا يبدو أمرًا ذا أهمية بالغة. ففي كل مرة نطور فيها طريقة جديدة لمراقبة العالم الطبيعي بوضوح أكبر، نكتشف أشياء لم نكن نتوقعها أبدًا. ومن المرجح أن هذا المجهر لن يكون الاستثناء.


المصدر: ScienceDaily

#microscopy #stanford university #cell biology #scientific research #scientific breakthrough #biology #lab technology