حسناً، عليك أن تستعد جيداً لهذا الخبر، لأن عالم الوراثة أصبح للتو أكثر غرابة بكثير — وأكثر روعة.
اكتشف علماء في جامعة كورنيل مؤخراً شيئاً يبدو، بصراحة، وكأنه مستوحى من أفلام الخيال العلمي. لقد وجدوا جيناً بشرياً يمكنه في الواقع "التنقل" داخل حمضك النووي (DNA) بينما يقوم في الوقت نفسه بمهمة حيوية في دماغك. من المفترض ألا تجتمع هاتان الصفتان معاً، لكنهما تفعلان ذلك بطريقة ما.
مهلاً، هل يمكن للجينات أن "تقفز"؟
دعوني أعود قليلاً إلى الوراء، لأن مفهوم "الجينات القافزة" قد يكون جديداً على البعض منكم.
تخيل حمضك النووي كدليل تعليمات ضخم لبناء جسدك — كل خلية، كل سمة، كل تفصيلة صغيرة. لفترة طويلة، افترض العلماء أن هذا الدليل مستقر تماماً، وأن الصفحات (الجينات) تبقى في مكانها.
ولكن بعد ذلك جاء اكتشاف "الترانسبوزونات" (transposons)، وتسمى أيضاً "الجينات القافزة". هذه عبارة عن قطع من الحمض النووي يمكنها حرفياً أن تقص نفسها من مكان في الجينوم وتلصق نفسها في مكان آخر. فكر فيها كأنها "رحالة وراثيون" يرفضون البقاء في مكان واحد.
والجزء المذهل هنا هو أن حوالي نصف جينومك بالكامل يتكون من بقايا هذه الترانسبوزونات الناتجة عن ملايين السنين من التطور. معظمها "متقاعد" ولم يعد يتحرك، فهي تشبه كبار السن الذين كانوا مغامرين في شبابهم، لكنهم الآن يكتفون بالجلوس ومشاهدة التلفاز.
الجين الذي رفض الاستقرار
إذن، ما الذي يجعل BC200 مميزاً للغاية؟
عادةً، عندما "يستعير" التطور أحد هذه الجينات القافزة لغرض مفيد — أي يحوله إلى جين عادي يقوم بمهمة مهمة للخلية — فإنه يقوم عادةً "بتعطيل" قدرته على القفز. الأمر يشبه أن تأخذ مسافراً رحالاً وتمنحه وظيفة مكتبية؛ سيستقر في مكانه وتختفي لديه القدرة على التنقل.
لكن BC200؟ لقد قال BC200: "لا، سأقوم بالأمرين معاً".
هذا الجين الصغير نشط في عصبوناتك (خلايا الدماغ)، حيث يبدو أنه يساعد في تنظيم كيفية صنع البروتينات. يعرف العلماء بوجوده منذ أواخر الثمانينيات، لكن ما لم يعرفوه حتى الآن هو أنه لا يزال يمتلك القدرة على القفز والتنقل داخل جينومك.
أوضح الباحث سيدريك فيشوت: "لقد نشأ هذا الجين من عنصر متحرك، لكنه احتفظ بقدرته على الحركة، ومع ذلك فهو يؤدي بوضوح وظيفة خلوية. بطريقة ما، لم يتمكن التطور من الفصل بين هذين الأمرين".
بمعنى آخر، BC200 هو شخص نجح في الحصول على وظيفة مستقرة، ومع ذلك لا يزال يخرج في رحلات برية عفوية كل عطلة نهاية أسبوع. من المفترض ألا تسير الأمور بهذا الشكل!
وُجد في فيروس؟! يا لها من مفاجأة!
ولكن انتظر — الأمر يزداد غرابة.
لم يكن الباحثون يبحثون عن BC200 أصلاً عندما عثروا على هذا الاكتشاف؛ فقد وجدوه مختبئاً داخل فيروس جدري — وتحديداً فيروس "المليسوم المعدي" (molluscum contagiosum) الذي يسبب بقعاً جلدية.
فكيف انتهى الأمر بجين دماغي بشري داخل فيروس؟ يعتقد العلماء أنه ربما قفز إلى الفيروس أثناء إصابته لخلايا جلد شخص ما. لقد التقط الفيروس "راكباً" معه.
الأمر يشبه تحول الفيروس من "عدوى الخلايا البشرية" إلى "حامل لقطعة من المادة الوراثية البشرية". الطبيعة غريبة حقاً في بعض الأحيان.
هل يجب أن نقلق؟
هنا تصبح الأمور أكثر جدية قليلاً.
فجين BC200 لا يقضي وقته بسلام في العصبونات فحسب؛ فقد لاحظ العلماء أنه يظهر بمستويات أعلى في أدمغة المصابين بمرض الزهايمر. كما يظهر تعبيره الجيني بشكل غير طبيعي في أورام مختلفة، بما في ذلك سرطان الثدي.
الآن، قبل أن تصاب بالذعر، دعني أكون واضحاً: نحن لا نعرف ماذا يعني هذا بعد. قد يكون الجين مساهماً في المرض، أو قد يكون مجرد "عابر سبيل" غير ضار يزداد إنتاجه عندما يحدث خطأ ما في شيء آخر.
لكن الاحتمال المثير للقلق هو: إذا كان بإمكان BC200 القفز، فربما لا يزال "يقفز" في حالات المرض. ربما في الخلايا السرطانية أو خلايا الدماغ التالفة، يقوم هذا الجين بغرس نفسه في أماكن جديدة، مما قد يسبب طفرات.
هذا بالتأكيد شيء يريد الباحثون استكشافه بشكل أعمق.
ماذا يعني كل هذا؟
بصراحة؟ نحن لا نزال نكتشف القشور فقط.
هذا الاكتشاف يتحدى فهمنا لكيفية عمل الجينات وتطورها. فهو يشير إلى أن الخط الفاصل بين "الجين القافز" و"الجين العادي" قد يكون أكثر غموضاً مما كنا نعتقد.
بالنسبة لي، أكثر ما يثير الفضول هو ما يخبرنا به هذا عن التطور نفسه. التطور ليس عملية مرتبة ومنظمة حيث يتم تصنيف الأشياء وتبقى في مساراتها؛ بل هو عملية فوضوية ومبدعة، وأحياناً تحتفظ بوظائف لا ينبغي منطقياً أن تجتمع معاً.
لذا، في المرة القادمة التي يخبرك فيها شخص ما أن حمضك النووي هو مجرد دليل تعليمات ثابت، يمكنك أن تخبره عن BC200 — ذلك الجين الصغير المتمرد الذي رفض الاستقرار في مسار واحد.
أليس العلم مذهلاً؟
المصدر: ScienceDaily