الجينات التي قرّرت أن ترتحل
تخيّل معي للحظة إن الكرسي اللي بتقعد عليه يقرر فجأة ينقل نفسه لبيت آخر — من غير ما تحتاج حتى تتصل بشركة نقل. غريب أليس كذلك؟
لكن هذا بالضبط اللي بيحصل جوا الكائنات الحية. فيه جينات اسمها "الجينات القافزة" -- وبالإنجليزية "Jumping Genes". العلماء يعرفوها من فترة.
رحّالة جينية في كل مكان
تلاقيها في البكتيريا، في النباتات، في الحيوانات، وفي أجسادنا كمان. فكرة عملها بسيطة: بتتنقل جوا الخلية الواحدة، وبالوقت المناسب تخلي الخلية دي تكتسب صفة جديدة.
ده نوع من أنواع التأقلم -- الطريقة اللي بيستخدمها الكائن الحي عشان يستجيب للتغيرات.
لكن التفكير في إن جين ينتقل من مكانه جوا الخلية -- ده زي ما تترتب أثاث客厅 في نفس الشقة. طيب لو الجين أراد ينتقل لشقة ثانية بالكامل؟
ده كان بيتعتبر مستحيل. العلماء افتكرروا إن الجينات القافزة محتاجة "ريide" -- زي virus أو plasmid -- يوصّلها لمكانها الجديد.
لكن دراسة جديدة نفت ده الكلام.
مسرح الجريمة المصغّر
باحثين كانوا بدراسة مجتمع من الميكروبات اللي بتنتج الميثان (ودي نفس العملية اللي بنستفيد منها في البيوجاز). هناك لقوا بكتيريا صغيرة مفترسة اسمها Candidatus Velamenicoccus archaeovorus.
البكتيريا دي مفترس صغير صيدّان. بيصطاد ميكروبات تانية بتحوّل مركبات معينة لميثان.
لما العلماء فحصوا خيوط بكتيريا Methanothrix soehngenii -- من أهم الكائنات اللي بتنتج الميثان -- لقوا خلايا ميتة شكلها كان واضح إنها اتعرضت لهجوم.
الغرابة إنهم لقوا جزيئات من الحمض النووي الريبي (RNA) تخص المفترس جوا الخلايا الميتة دي.
مين اللي عملها؟
العلماء بقوا مشتبهين. المفترس ينقل جينات للمفترس.. جوا ضحيته؟
فريق البحث راح فحص الجينوم بتاع البكتيريا المفترسة. هناك لقوا حاجة غريبة: إنترون -- واللي هو نوع من الجينات القافزة -- موجود هناك.
الحاجة المهمة إن RNA الإنترون ده عادةً بيكون موجود جوا الخلية بس. محدش لقاه بره خلية من قبل. بس الباحثين طوّروا طرق حساسة كفاية إنها تلتقط حتى كميات صغيرة جداً من الـ RNA جوا الخلايا البكتيرية.
استخدموا مسابر خاصة للحوامض النووية، ونسخوا صور مجهرية بتوضح وجود RNA الإنترون ده في الخلايا المفترسة الحية AND الخلايا الفريسة الميتة.
كده أخدوا الإنترون وهو بيحاول ينسخ وينتشر.
للأسف -- أو بختنا كده -- في الوقت اللي انتقل فيه، المفترس كان قتل المضيف الجديد بالفعل. فكان الانتقال لفراغ. :(
السر: الشكل الدائري
السؤال المهم: إزاي RNA survived الرحلة دي؟
جزيئات الـ RNA عادةً هشة جداً. بتتعامل كمُراسلين جوا الخلية، بتوصّل تعليمات من الـ DNA لآلات بناء البروتين. بس بيتم تفكيكها بسرعة من الأطراف المفتوحة.
الخلايا الميتة تقريباً لا تحتويش على RNA لأنها بتتنزل بسرعة.
إذن؟
الجواب بسيط بشكل مدهش: الشكل الدائري.
RNA الإنترون ده بيشكّل جزيء على شكل حلقة مغلقة من غير أي نهايات مفتوحة. الشكل الدائري ده بيحميه من الإنزيمات اللي كانت هتقطعه. مفيش أطراف ظاهرة -- مفيش طريقة سهلة تفتككه.
ذكي جداً بالنسبة لحاجة ما عندهاش مخ.
ليه ده يهمنا؟
الدكتور Jens Harder -- اللي وقف وراء الدراسة دي -- сказал حاجة مثيرة للاهتمام: جزيئات الـ RNA الدائرية مش حكر على الميكروبات. موجود كمان في أجسادنا وبتأثر على عمليات كتير في الجسم البشري.
بل العلماء بيستخدموا حالياً في دراسة تطور الأورام السرطانية.
والأغرب: بعض الـ RNA الدائرية بتُستخدم في لقاحات الـ RNA -- زى لقاحات كوفيد19 وبعض أنواع السرطان!
فكل مرة تسمع عن لقاح RNA أو بحث عن السرطان -- ممكن تكون بتفكر في تراث مسافرين جينيين صغار لقوا طريقة عبقرية للبقاء: إنهم يمشوا في دوائر.
الخلاصة
الدراسة دي فتحت أبواب جديدة لفهم كيفية انتقال المعلومات الجينية بين الأنواع -- مش جوا النوع الواحد بس.
تذكّرنا إن في عالم الميكروبات، قوانين علم الأحياء بتكون مرنة بشكل مدهش. والطبيعة دايماً بتلاقي حلول ذكية -- حتى لو من غير مخ.
المصادر: دراسة نُشرت في Science Daily