غابة نسيها العلماء.. والطبيعة أجابت وحدها
تخيّل معي المشهد: السنة هي 1987، وفي غابات أشجار الراتنج في ولاية فيكتوريا الأسترالية، يُنشئ فريق من العلماء تجربة ضخمة لاختبار طرق مختلفة في إدارة الغابات. بعض المناطق ستُقطع بالكامل، وبعضها سيُخفّف جزئياً، وأخرى ستُترك على طبيعتها.
زرعوا مئات العلامات البحثية، وألوف الشتلات الصغيرة، ثم... الحياة جرت كما جرت دائماً. المشروع تُرك وراءهم. الطريق المؤدي إليه انغمر بالأعشاب. اللوحة الإرشادية سقطت.
ثلاثون عاماً كاملة، والغابة تسير على طريقها الخاص.
ثم جاء عام 2014، حيث عثر باحثون من جامعة ملبورن على هذه التجربة المنسية. ما اكتشفوه فاق كل التوقعات.
ماذا كان يريد العلماء في الثمانينات؟
سأل العلماء أنفسهم سؤالاً بسيطاً: هل القطع الكامل للغابة هو أفضل طريقة؟ أم توجد بدائل أحسن؟
于是 قرروا اختبار عدة أساليب:
- قطع مساحات كبيرة بالكامل
- قطع مساحات صغيرة بالكامل
- تخفيف كثيف — أي إزالة نحو ثلثي الأشجار
- مناطق مراقبة لم تُمسّ
النتائج القديمة، التي نُشرت منذ سنوات، أظهرت أن أشجار الراتنج تتجدد بشكل أفضل في المساحات الكبيرة المفتوحة. القضية انتهت؟
كلا. لأن الأشجار استمرت في النمو.
حين عادوا في 2014
الفريق الجديد توقع أن يجد نفس النتائج التي توصل إليها سلفه. لكن حين وصلوا إلى المناطق التي خُفّفت فيها الأشجار، اندهشوا اندهاشاً كبيراً.
الأشجار المتبقية بعد التخفيف كانت ضخمة. في عمر لا يتجاوز 80 سنة، كانت أكبرها يزيد عرضها عن المتر، وبعضها وصل إلى متر ونصف. مقارنة بالأشجار في المناطق البرية untouched، كانت أشجار المناطق المُدارَة أكبر بنسبة 20%.
السر بسيط: حين تحظى الأشجار بمساحة أوسع، وضوء شمس أكثر، وتغذية أفضل، فإنها تتفوق وتفخر.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الكربون
نتحدث كثيراً عن غابات العالم باعتبارها خزّانات للكربون وقلوب رئات الأرض. وهنا جاء المقلب المدهش.
الغابات التي خُفّفت فيها الأشجار خزّنت كمية من الكربون تساوي أو تفوق ما خزّنته المناطق التي لم تُمسّ أبداً.
في ثلاثين عاماً فقط، تعافت هذه الغابات تماماً مما فَقَدته أثناء القطع، ثم أضافت كمية إضافية من الكربون تُعادل ما تراكم في الغابات البكر.
هذا يعني أن التخفيف الانتقائي ليس بالضرورة تنازلاً بين إنتاج الخشب وحماية البيئة. قد يكون في الحقيقة أفضل ما يمكن.
حيوان لم يجدوه حيث توقعوا
وضع الباحثون كاميرات مراقبة في كل المناطق لرصد الحياة البرية. الهدف كان رصد حيوان الـ Leadbeater's possum — أحد أندر الجرابيات في أستراليا.
تخيّلوا أين وجدوه؟ في كل منطقة مُدارَة دون استثناء.
أما المناطق التي لم تُمسّ؟ لم يجدوا أثراً واحداً.
السر藏在أن أشجار السنط، التي تنمو بكثافة في المناطق المُدارَة، هي بالضبط ما يحتاجه هذا الحيوان للبحث عن الطعام والتنقل. حين تبقى الغابة على طبيعتها دون تدخل، تنمو أشجار السنط وتختنق.
الصورة الكبيرة
هذا البحث يقلب الصورة القديمة التي نسمعها دائماً: إما حماية مطلقة دون لمس، أو قطع جائر يضر بالبيئة والمجتمعات.
لكن تبيّن أن هذه القصة أبعد ما تكون عن البساطة.
الأشجار الكبيرة التي تنمو في الغابات المُدارَة بالتخفيف:
- أكثر مقاومة للحرائق الغابية
- أسرع في تكوين التجاويف التي تحتاجها الأنواع المهددة بالانقراض
- تُحقق نتائج كربونية لا تقل عن الغابات البكر
أجد في هذا الكلام رسالة جميلة: الطبيعي ليس دائماً أفضل. أحياناً الإدارة الواعية النشطة تحقق نتائج يعجز التدخل السلبي عن تحقيقها.
العلماء يدعون الآن إلى البحث عن التجارب المنسية قبل فوات الأوان. غابات أستراليا مليئة بمختبرات طبيعية قد تُعيد تشكيل طريقة إدارتنا للأحراش.
في هذه القصة جمال خاص: الطبيعة استمرت في الإجابة على أسئلة نسينا أننا سألناها. كل ما كان علينا هو العودة والاستماع.