سبع سنوات والولايات المتحدة تطير بقنابل نووية فوق العالم كله
خليني أطلب منك شيء: تتخيل إن الولايات المتحدة الأمريكية وافقت على إن تظل قاذفات نووية تحلق في السماء على طول الساعة، سبع سنوات كاملة، وقنابل الهيدروجين جاهزة تنزل في أي لحظة؟
هذا مو خطة احتياطية ولا طريقة بديلة. هذا اسمه عملية قبة الكروم، وامتدت من 1961 إلى 1968.
القنبلة اللي ما انفجرت بسبب قطعة كهربائية بـ 12 دولار
في 1961، طارت قاذفة B-52 فوق ولاية كارولينا الشمالية وفجأة انشقت في الجو وأسقطت قنبلتين، كل واحدة بقوة 3.8 ميغاطن.
تبي تعرف قوة هالقنابل؟ القنبلة اللي دمرت هيروشيما كانت بقوة 15 كيلو طن فقط. يعني هذي القنابل أقوى بأكثر من 250 مرة.
المفاجأة؟ لا وحدة من القنابل انفجرت. في واحدة منهم، السبب الوحيد اللي منع الانفجار النووي كان سويتش كهربائي رخيص الثمن. قطعة بـ 12 دولار فقط. واحد من أقرب لحظات البشرية لأن تدمر نفسها... واللي وقف بينها وبين الدمار كان سويتش.
ورغم كذا، المشروع استمر.
الحادث الأخضر: الوسادة اللي أنهت المشروع
الحين نوصل للقصة اللي خلّت الحكومة تغلق المشروع نهائياً.
21 يناير 1968، قاذفة B-52 أقلعت ومعها أربع قنابل هيدروجين. كل وحدة منها تقدر تمسح مدينة كاملة. كانت مهمتها تدور فوق قاعدة ثول الجوية في Groenland وتراقب الرادارات.
تعرف إيش اللي صار؟
أحد الطيارين المساعدين -يقولون عشان يخفف على زميله - حط وسائد إسفنجية تحت كرسي أحد الملاحين. جميل أليس كذلك؟ المشكلة إن نظام التدفئة في الطائرة خرب، فاحد الطاقم شغّل السخّان الإضافي.
السخّان كان يسحب الهواء الساخن من المحرك... ويف吹ه بالضبط عند الوسائد الإسفنجية.
الوسائد اشتعلت.
خلال دقائق، الطائرة كلها كانت وسط النيران. الطاقم ما كان عنده خيار إلا يقفزون. ست أشخاص نزلوا بالباراشوت بنجاح، لكن الطيار المساعد ليونارد سفيتينكو ما عاش - توفي وهو يحاول يخرج.
الطائرة سقطت على جليد بحر Groenland، وانفجرت موادها التقليدية وخلّفت مواد نووية متناثرة في كل مكان. عملية التنظيف - اللي سمّوها "السنجاب الجليدي" - استغرقت سنوات.
إيش هذا يحكي لنا؟
اللي يخليني أفكر كثير: بعض الخبراء كان يسمّي هالحوادث "كوارث عادية بانتظار الحدوث". مش سيناريو أسوأ الاحتمالات. مش شيء صادم. بس... اللي تتوقعه لما تجمع بشر وآلات وأسلحة نووية لمدة سبع سنوات متواصلة.
والأغرب من كذا؟ لا وحدة من القنابل الأربع انفجرت. ولا وحدة. حتى بعد السقوط والاشتعال والتناثر في القطب الشمالي. هالأسلحة صُمّمت عشان تنفجر... ومع هذا ما انفجرت بالخطأ.
هذي إما مطمّنة جداً أو مخيفة جداً، حسب الطريقة اللي تنظر فيها للأمور.
في اليوم اللي بعد الحادث، أُغلقت عملية قبة الكروم رسمياً. والمتظاهرون كانوا أمام السفارة الأمريكية في كوبنهاغن (Groenland تتبع الدنمارك) خلال ساعات. الجمهور خلاص طفح كيله.
الصورة الكبيرة
أفهم الخوف اللي دفع لهالسياسة. أزمة الصواريخ الكوبية خلّت الجميع مقتنع إن السوفييت بأي لحظة ممكن يطلقون كل شي عندهم. لكن تطير بقنابل هيدروجين فوق المناطق المأهولة، وتعتمد على سويسرات صغيرة وخيارات راحة الطاقم عشان تمنع الكارثة النووية؟
هذي ما هي استراتيجية نووية. هذي لعبة روليت روسية بالكوكب كله.
أفرح إننا تعلمنا من هالحوادث - غالباً. عندنا لا يزال أسلحة نووية، ولا يزال فيه قاذفات تحمل قدرات نووية تطير. لكن عملية قبة الكروم تحديداً؟ ذلك الاختبار الغريب للاستعداد النووي المستمر خلص على جليد Groenland. ما وقفته خطة مدروسة، بل تراكم كوارث قرب ما تتحقق.
أحياناً التاريخ ما يصنعه ابتكارات جريئة. أحياناً يصنعه اللحظة اللي نقول فيها: "خلاص، ذبحت وفاض الكيل."
هذي اللحظة جاءت محاطة بوسادة إسفنجية محترقة، على بُعد 750 ميل شمال الدائرة القطبية الشمالية.