الصوت الذي أشعل خيال الإنترنت
دعني أشاركك واحدة من أغرب قصص العلم التي أحبها — وستجد النهاية مُرضية، حتى لو لم تكن مثيرة كما توقّع الناس.
الحكاية تبدأ من عام 1997
كان فريق من العلماء يبحث في المحيط الهادئ، يراقبون البراكين تحت الماء بأجهزة استماع خاصة تُسمى الهيدروفونات. وفجأة، التقطوا صوتاً لم يكن متوقعاً على الإطلاق.
صوت عالٍ جدًا. وأعني عالٍ جدًا لدرجة أن أجهزة الاستشعار في جميع أنحاء المحيط الهادئ التقطته — أي مسافة تزيد عن خمسة آلاف كيلومتر.
أطلقوا عليه اسم "البلوب"، وهو اسم يبدو وكأنه صرخة الألم عند اصطدام إصبع القدم بالطاولة، لكنه في الحقيقة أخطر من كذا بكثير.
وماذا كان الصوت إذاً؟
هنا بدأت الأمور تتسارع. تردد الصوت كان شبيهاً بصوت كائن حي. ربما حوت؟ المشكلة أن الحوت الأزرق هو أكبر حيوان عاش على الأرض على الإطلاق، وحتى هو لا يستطيع إصدار صوت بهذا الارتفاع.
البلوب كان أقوى بمرتين.
نظرية البحر الغامض
هنا انفجر الإنترنت.
البعض قال: ربما هناك نوع لم نكتشفه بعد. المحيطات لا تزال مليئة بالأسرار. تذكّروا أن سمكة السيليكانث اعتُبرت منقرضة لمدة 66 مليون سنة، حتى ظهرت فجأة في شباك صياد عام 1938. إذاً من يضمن عدم وجود كائن ضخم مختبئ في الأعماق؟
وهناك من قال شيئاً آخر. موقع البلوب كان قريباً جداً من مكان "رلييه" — المدينة الغارقة في روايات لافكرافت، حيث يسبى الوحش المسكيب ذو المجسات، " كتولهو".
كأن العالم قرر أن يصدّق أن البشرية سجّلت صرخة إله بحر قديم يستيقظ من نومه.
وهناك من راهن على الحبّار العملاق، الذي قد يصل طوله إلى 14 متراً. لكن العلماء ردّوا:因为 الحبّار ببساطة لا يملك الأدوات البيولوجية اللازمة لإصدار مثل هذه الأصوات.
الحقيقة المملة (والرائعة في نفس الوقت)
بعد سنوات من البحث، واقتراب العلماء من القارة القطبية الجنوبية بمساعدة أجهزتهم، توصّلوا أخيراً للحقيقة في عام 2005.
كان الجليد. وتحديداً "زلزال الجليد" — وهو الصوت الناتج عن تكسّر كتل ضخمة من الجليد وانفصالها عن الأنهار الجليدية، وهو ما يُعرف بالـ "كالينغ".
عندما يحتكّ الجرف الجليدي بقاع البحر أو بجرف جليدي آخر، يُصدر صوتاً هائلاً يمتد لآلاف الكيلومترات.
بمعنى آخر: في مكان ما قرب أنتاركتيكا، انكسرت قطعة جليد ضخمة بشكل درامي، والمحيط الهادئ كله سمع الخبر.
لماذا ما زالت هذه القصة تُثير إعجابي؟
ما أحبه في هذه القصة: لمدة ثماني سنوات كاملة، حيّر البلوب العلماء فعلاً. لا نعرف حتى اليوم أي قطعة جليد تحديداً كانت مسؤولة. نعرف ماذا كان، لكننا لا نعرف مَن — أو ماذا — كان.
وهذا في الحقيقة يجعلها أجمل. نعيش على كوكب تتكسّر فيه صحائف جليدية بحجم مدن، وتُصدر أصواتاً تسمعها محيطات بأكملها. حيث الأنهار الجليدية في أنتاركتيكا تُصدر أصواتاً لو لم تكن تعرف مصدرها، لقلت إنها صرخات مخلوق أسطوري.
الطبيعة غريبة يا أصدقاء. وأحياناً، الحقيقة الفعلية أكثر رعباً من الوحوش.