عالم العلوم والتكنولوجيا
→ الصفحة الرئيسية
بوسطن تغرق... لكن ليس بالماء

بوسطن تغرق... لكن ليس بالماء

2026-07-08T19:59:32.321522+00:00

اليوم الذي غرقت فيه بوسطن في دبس السكر

لازم أعترف لكم — أول مرة سمعت عن كارثة دبس السكر في بوسطن سنة 1919، قلت إن أحد بيهدّر معي. دبس سكر؟ انفجار؟ موجة لزجة تقتل ناس؟ الموضوع بدا لي سخيف جداً.

لكن القصة حقيقية ١٠٠٪. وهي من أكثر الكوارث اللي قرأت عنها إما مذهلة أو محبطة — بالأخيرين معاً.

البداية: خزان سيء الصنع

تخيلوا معي: ١٥ يناير ١٩١٩. حارة نورث إند في بوسطن عادية تماماً في يوم شتاء بارد. وفجأة — بوم! — خزان ضخم تابع لشركة يونايتد ستيتس إندستريال ألكوهول ينفجر، ويرسل موجة من دبس السكر ماشية بسرعة ٥٦ كيلومتر في الساعة بالشارع.

الخزان كان فيه أكتر من ثمانية ملايين لتر من الدبس. واللي صار إنه ببساطة استسلم. ليه؟ لأن حد قرّر يبني خزان صناعي من غير ما يستشير أي مهندس فعلي.

شخص اسمه آرثر بي. جيل كان مشرف متوسط في الشركة. المشكلة إن جيل ما كان عنده أي خبرة في الهندسة. ولا أي خبرة فعلاً. بس هالشي ما منع المدراء من إسناد المهمة له — بناء شي بيحمل ملايين اللترات من سائل مضغوط.

شايفين وين رايحة القصة؟

وفّروا في كل مكان

جيل كان تحت ضغط إنه يخلص بسرعة (أهلاً، هاي مشكلة قديمة). فسوّا بعض الـ "قرارات المشبوهة":

  • ما استشار مهندسين إنشائيين
  • ما عمل فحوصات للمواد
  • والأهم من كل: ما جرّب الخزان قبل ما يملؤه بملايين اللترات من الدبس

الخزان اتخلص بسرعه رهيبة لدرجة إنه بدأ يتشقق من أول ما اتملأ. أطفال الحي كانوا يجمعوا الدبس اللي يتسرب في دلاء، يحسبوا إنهم بياخذوا حلوى مجانية. (لو فكّرنا بالأمر، هاي الصورة حلوة بس مخيفة في نفس الوقت.)

الناس شكت. الخزان كان واضح إنه بيتهالك وباقي على بعد أمتار من البيوت. مدير اسمه إسحاق غونزاليس رفض الوضع وقدم استقالته بعد ما بلّغ عن مخاوف السلامة لمدرائه. وشو سوّت الشركة؟ رسمّوا الخزان بالبني عشان يخبوا التسريبات اللزجة.

ما بتخيّلك.

الوصفة الكاملة للكارثة

في ١٥ يناير، وصلت شحنة جديدة — ٥ ملايين لتر من الدبس جاية من كوبا. عشان يسهّلوا الصب، سخّنوه. بس هنا المشكلة: لما تخلط سائل ساخن مع سائل بارد، يصير تخمر سريع وإنتاج غاز.

الخزان — اللي كان أصلاً مليان شقوق وبالكاد متماسك — ما قدر يتحمّل الضغط.

النتيجة؟ موجة دبس ارتفاعها ثمانية أمتار اجتاحت نورث إند بسرعة ٥٦ كيلومتر في الساعة. قطع معدنية ومسامير صارت قذائف قاتلة. مباني سقطت. قطار انهار. أسلاك انقطعت من أعمدتها.

صحفي من بوسطن بوست وصف المشهد: "هنا وهناك كائن يتخبّط — ما قدر أحد يقول إذا حيوان أو إنسان. بس حركة عنيفة وصراع في تلك الكتلة اللزجة بيّن إن في حياة هناك."

واحد وعشرين شخص ماتوا ذلك اليوم. ومية وخمسين أصيبوا. بعضهم كان أطفال خنقوا في الطين السميك.

كابوس التنظيف

وهنا بتصير القصة أغرب. كيف بتنضف ملايين اللترات من الدبس من شوارع مدينة في شتاء بوسطن؟

كانت مهمة لا تُطاق.

مي الهوز ما قدرت تغسله. الدبس المتجمد صار لازم يقطعوه قطع ويطرحوه في الميناء. وللتخلص من الباقي، اكتشفوا إن ماء البحر هو الشي الوحيد اللي بيذيب هالفوضى. فبدأوا يضخوا مياه المحيط في الشوارع.

الرائحة، حسب اللي قرأته، كانت مقززة — حلوة متخمّرة ومنحطة. التنظيف استغرق أسابيع، يمكن أكثر. أحياء كاملة راحت. اللي كان شطآن عامر صاير حرب عالمية.

العدالة (متأخرة)

وهنا الجزء اللي يخلي دمي يغلي: الشركة حاولت في البداية تلفّق القصة إن anarchists هدّموا الخزان. anarchists؟ بالدبس؟

لما هاي الحجة سقطت، الضحايا وعائلاتهم رفعوا دعاوى — كثير منها. ١١٩ دعوى اتدمجت وصارت أكبر دعوى جماعية في تاريخ ماساتشوستس.

ست سنوات استغرقت لحد ما الشركة تحاسب. ست سنوات.

وش ناخذ من القصة؟

اللي يضايقني: هاي الكارثة كانت قابلة للمنع بالكامل. علامات التحذير كانت في كل مكان. الشقوق، التسريبات، الشكاوى، المدير اللي استقال عشان قلق على السلامة. كل شي كان موجود.

بس الطمع والضغط على المواعيد فازوا على الهندسة الصحيحة والسلامة البشرية.

هالكارثة قادت لتغييرات كبيرة في قوانين البناء والأنظمة الأمنية — بس التغييرات جت متأخرة على ٢١ شخص ماتوا في ذلك الظهر الشتوي.

بعض الأحيان أفكر في الدبس نفسه — من وين جاي، وين رايح، وش كان المفروض يصير فيه. بس غالباً أفكر في الناس العاديين اللي كانوا عايشين حياتهم وصاروا في المكان الغلط بالوقت الغلط.

لما تشوفوا خزان صناعي أو منشأة، تذكّروا: وراه قصة غالباً. أحياناً القصة فيها مأساة، وقرارات خاطئة، وعواقب استغرقت أجيال.

ولو يوم زرتوا نورث إند في بوسطن، خذوا لحظة تفكّروا في اليوم اللي ابتلعه موجة من الحلوة اللزجة. هاي قصة تستاهل تتذكر — مش بس لأنها غريبة، بل لأنها تذكّرنا ليش قوانين السلامة مهمة.

لأن ما حدا لازم يكتشف إن الدبس بيكون بنفس القدر من الخطورة زي أي قوة طبيعية — لما الإهمال البشري هو السبب.

#history #disasters #engineering failures #boston #industrial accidents #1919 #true stories