حيلة كونية ساحرة
تخيّل إنك واقف على سطح المريخ، بتتفرج على السماء المسائية، وفجأة… الأرض بتختفي.
مش اللي بنسميه غروب عادي اللي بيحصل كل يوم من حارتنا. لأ. الأرض اختفت فعلياً. اتحجبت بالكامل ورا قمر صغير اسمه فوبوس، حجمه مش أكبر من 17 ميل تقريباً.
وده مش خيال علمي. مركبة بيرسيفيرانس التابعة لناسا NASA's Perseverance rover التقطت اللحظة دي في الثاني من يوليو، وبصراحة، دي من الصور اللي بتخليك عايز تفضل ساكت شوية بعدها.
إيه اللي حصَل بالظبط؟
اللحظة الجميلة إن بيرسيفيرانس كانت واطية في حافة فوهة جيزيرو Jezero Crater، وكانت الأرض ظاهرة ك نقطة ضوئية صغيرة جداً — بيكسل واحد بس. يعني كل الأرض: كل المحيطات، كل القارات، كل البشر اللي عاشوا يوماً، بقت بحجم نقطة.
في نفس الوقت، فوبوس كان ماشي في الاتجاه المعاكس في سماء المريخ، ولما الجسمين الكونيتين دول اتوافقوا في خط النظر، الأرض اختفت ورا حافة فوبوس المظلمة لثانيات قليلة. بص! راحت.
العلماء بيقولوا على الحته دي "occultation" أو احتجاب — وده اسم مبهر للحظة لما حاجة قريبة ظاهرياً تحجب حاجة أبعد. في الحالة دي، فوبوس صغير جداً مقارنة بالأرض، بس لأنه أقرب بكتير لبيرسيفيرانس، قدر يحجب الكوكب كله عن ناظينا.
السلفي الأكثر تواضعاً في التاريخ
واحد من العلماء وصف الصورة بأنها "سلفي أرضي فريد، اتصوّر من سطح كوكب تاني، مع فوبوس عاملاً زحمة في الكادر." والوصف ده عاجبني جداً.
فكّر فيها — إحنا بنعمل سلفي من الأرض طوال الوقت. سلفي على الشاطئ، سلفي معصحاب، سلفي مع الحيوانات الأليفة بتاعتنا. بس دي أكتر "سيلفي" ممكن تغيّر نظرتنا للإنسانية. كوكبنا الأم، المصوّر من قبل واحد من رسلنا الآليين، وقمر تابع لكوكب تاني عاملاً زحمة.
جاستن ماكي Justin Maki، واحد من علماء التصوير، حطها بشكل جميل. بس بصراحة؟ المفاجأة الحقيقية إن اللي بتحسسنا بيه الصورة دي.
تغيير المنظور
من على الأرض، بنشوف قمرنا بيسيطر على سماء الليل. بيحس كبير، بيحس قريب، هو اللي بيجذب عيننا لما بنتفرج على النجوم. بس من المريخ، فوبوس بيظهر بحوالي ثلث حجم قمرنا وهو شايفينه من الأرض — ومع كده قدر يبلع الأرض كلها بدون أي مشكلة.
والأرض؟ كانت على بُعد 195 مليون ميل. يعني حوالي 314 مليون كيلومتر من الفضاء الفاضي بيننا وبين روبوتنا التاني على كوكب بعيد.
الصورة دي لازم تخلي إحنا حاسين إننا صغيرين بشكل لا يصدق، ومتواصلين بنفس القدر. إحنا النوع اللي قدر يبنّي آلة، يبعتها عبر المجموعة الشمسية، يهبط بيها على كوكب تاني، وبرمجها إنها تشوف السماء وترجع البيانات للأرض. ده شيء استثنائي.
ليه العلماء مهتمين أصلاً؟
وده اللي بيخلّي الموضوع عملي (وكمان مثير). فهم مدار فوبوس أهم مما ممكن تتخيل. القمر الصغير ده بيزوّد المسافة بينه وبين المريخ ببطء، وخلال 50 مليون سنة تقريباً، هيتصدّم بالكوكب الأحمر أو هيتفتت ويبقى حلقة حوالينه.
العلماء برضو بيحبوا يراقبوا احتجابات زي دي لأنها بتساعدهم يقيسوا موقع فوبوس ومداره بدقة. دي زي هندسة كونية بمقامات بعيدة عن حياتنا اليومية — بس حاجة حلوة جداً.
الصورة الكبيرة
اللي صدمني فعلاً في الصورة دي مش الإنجاز التقني (رغم إنه مثير للإعجاب فعلاً). لا، اللي صدمني هو الضربة العاطفية.
كلنا شوفنا صور للأرض من الفضاء — "الرخام الأزرق" الشهيرة، و"نقطة زرقاء شاحبة" اللي ابعتتها فوييجر. الصور دي غيّرت نظرتنا لنفسنا. خلت الأرض تحس بأنها غالية وهشة، عايزة في وسط اتساع الفضاء.
الصورة الجديدة دي بتعمل حاجة مشابهة، بس بطريقة مختلفة تماماً. بدل ما نشوف الأرض من الفضاء، بنشوف الأرض في الفضاء — من كوكب تاني، بتتحجب لحظة ورا قمر عابر. الصورة دي بتذكّرنا إن إحنا مش مجرد مراقبين للكون. لا، إحنا مشاركين فيه، بندور على صخرة صغيرة في جزء من الكون، وبنتصوّر أحياناً من بُعد ملايين الأميال عن طريق ابتكاراتنا сами.
فلو بصّيت لسما الليل يوم من الأيام وشفت القمر، خد لحظة تحس بيها. قمرنا بالحجم اللي هو عليه، بيسير في المسار اللي هو فيه، بسبب مكاننا إحنا. وفي مكان ما على سطح المريخ، واحد من رسلنا الآليين بيشوف الضوء الصغير اللي عندنا في سماء المساء المريخية، وبيفقدنا تماماً لما فوبوس يمرّ ماشي.
ده سحر حقيقي — لو حاسس بيّا.