الظرف الذي أرّق فيزيائياً لعشر سنوات
لازم أحكيلكم هالقصة لأنها فعلاً ممتعة بطريقة "نيردية" بحتة.
تخيلوا معي: فيزيائي اسمه شتيفان شلامينغر قضى عشر سنوات يحاول يقيس شي مهم جداً. اللحظة الحاسمة بتوصل. عنده ظرف. جوا الظرف الجواب اللي كان يطارده.
وممكن يكاد ما يقدر يفتحه.
بديهيكون الموضوع مقتبس من فيلم إثارة؟ امسكوا الأحزمة، لأن هاد واقع علمي، وأكتر تشويقاً مما بنتصور.
المشكلة اللي ما المفروض تكون بهال сложность
اللي بيثير الدهشة: بنتعامل مع الجاذبية كل يوم، أخذنا عنها بدرسة الإعدادي، ومع ذلك ما بنعرف قوتها بالضبط.
صح، ما بنعرفها.
في رقم اسمه "جي الكبير" (مش "جي الصغير" اللي هو تسارع الأجسام على سطح الأرض). "جي الكبير" بيمثّل القوة الأساسية للجاذبية بين أي جسمين لهما كتلة. الرقم موجود بمعادلة نيوتن الشهيرة اللي بتحكم حركة كل شي من التفاحة الساقطة لحد الكواكب المدورة.
المشكلة؟ العلماء يحاولوا يحددوا هالرقم من أكتر من 225 سنة، ومع ذلك ما بيوافقوا عليه.
استنوا شوي. قرنين من التقدم العلمي، والجاذبية لسا غامضة بشكل عنيد.
ليش هاد بهالسهولة؟
جرّبوا هالتجربة الحين: خذوا مغناطيس صغير (النوع اللي بتلزقه على الثلاجة). ارفعوا مشبك ورق فيه.
مبروك،,刚才克服了地球的整个引力。
أيوا، قرأتوا صح. معلّق مشبك ورق بمغناطيس صغير، وهيك تغلبتم على جاذبية كوكب الأرض بالكامل.
بهالضعف السخيف الجاذبية مقارنةً بالقوى الثانية. مغناطيس صغير بيقدر يرفع أجسام ضد وزن كوكبنا كله. القوة الكهرومغناطيسية اللي بتشغّل المغناطيس أقوى بمليار تريليون تريليون مرة من الجاذبية.
فلما الفيزيائيين يحاولوا يقيسوا الجاذبية بالمختبر، بيكتشفوا قوى صغيرة بهالدرجة إن وزن الريشة بيبدو قدامها كأنها صخرة. جهازهم التجريبي لازم يكون دقيق بشكل لا يُصدَّق، وحتى اهتزازات شاحنة تمر أو تغيّر بالحرارة ممكن يخرّب القياسات.
كأنك تحاول تسمع همس في نص حفل روك.
حل الظرف
شلامينغر، اللي شغّال بمعهد NIST (المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا)، قرّر يكرّر تجربة فرنسية سابقة. الفكرة بسيطة: إذا مختبر تاني يوصل لنفس النتيجة، هاد حي يساعد يفض خلافات معينة عن قيمة "جي الكبير".
بس اللي يخلي هالقصة مميزة: شلامينغر كان خايف على نفسه.
شايفين، العلماء بشر. والبشر أحياناً بيحللوا البيانات بطريقة تؤكد اللي يتوقعوه، حتى لو بدون ما يحسوا. اسمها "انحياز التأكيد"، وهي مشكلة حقيقية بالأبحاث.
فلذلك شلامينغر طلب من زميل يقلّب جزء من بياناته. الزميل طرح رقم سري من بعض القياسات، وحط الرقم بظرف وأعطاه لشلامينغر.
وهنا الجزء الجنوني: شلامينغر ممكن يحلل كل بياناته، يشغّل كل الحسابات، يوصل لنتيجة... وما يعرف إذا هادي النتيجة صحيحة. لأن بس الرقم بالظرف بيخليه يفك شفرة تجربته الخاصة.
باختصار، عَمى حاله عن بحثه هو.
عشر سنوات انتظار
عشر سنوات شلامينغر شغّل هالمشروع. حلل بيانات، بنى أجهزة، فحص شغله، ولعى أكتر من ليلة نوم. وكل هاد والجابة بالظرف قاعد تنتظر.
كاد يفتحه سنة 2022. بس بآخر لحظة اكتشف إن في تأثير خفي من ضغط الهواء ما انحسب بشكل كامل. بالتجارب بهالدقة، حتى التأثيرات الصغيرة مهمة.
فلذلك انتظر سنتين زيادة.
أخيراً، يوم 11 يوليو 2024، شلامينغر كان محدد يقدّم نتائجه بمؤتمر بكولورادو. بهالوقت، كان تقريباً متوتر بهالدرجة إنه يأكل أظافره.
وهاد اللي بحبه أكتر بالقصة: حتى بعد كل هالوقت، حتى مع كل هالتحضير الدقيق، لسا ما كان متأكد شو حي يلاقي.
شو يعني هاد؟
قياسات "جي الكبير" من تجارب مختلفة ما بتتوافق مع بعض. الفروقات صغيرة—جزء من 10,000—بس أكبر مما المفروض لو كل شي كان شغّال بشكل مثالي.
معظم العلماء بيتخيلوا إنه في تأثيرات تجريبية خفية ما حد اكتشفها بعد. يمكن اهتزاز ما انحسب، أو تأثير حراري دخل بالبيانات بشكل سري.
بس في احتمال أكثر إثارة: يمكن إحنا غافلين عن شي بالجاذبية نفسها.
أعرف، أعرف—بهالطريقة بتبدو كأنها تمهيد لفيلم خيال علمي. بس خلّيني أقولكم: إحنا أصلاً نعرف إن فهمنا الحالي للجاذبية ناقص. أينشتاين أوضح إن جاذبية نيوتن، رغم فائدتها، تقريب فقط. ولما الفيزيائيين يحاولوا يجمعوا الجاذبية مع ميكانيكا الكم (فيزياء الأشياء الصغيرة جداً)، الرياضيات بتتهدّم بالكامل.
فلذلك ما من الجنون نتساءل إذا كان في فيزياء جديدة مخفية بهالفوارق.
القصة الحقيقية
طيب، ما بعرف شو شلامينغر لقى لما فتح الظرف أخيراً. وبصراحة، هاد مش حتى النقطة.
القصة الحقيقية عن العناية الجميلة والمهوسة اللي بتروح للعلم الأساسي. هالرجل صرف عقد من عمره يقيس شي صعب بشكل لا يُصدَّق، مش لأنه حيؤدي لهاتف ذكي جديد أو دواء أفضل، بس لأنه بيحب يعرف.
عمى حاله عن بياناته عشان يتأكد إنه ما يغش. أخّر لحظته الكبيرة لأنه اكتشف تأثير ضغط هواء خفي. تعبّر على كل تفصيل لأن الكون يستاهل هالاحترام.
بعصر اللي كل شي فيهبدو إنه لازم له تطبيق فوري أو فائدة عملية، في شي مهدئ للأعصاب بكتير بالعلماء اللي يسهروا فقط عشان يجاوبوا أسئلة زي "جاذبية الأرض,到底有多强؟"
نوع الفضول اللي بيعملنا بشر.
وفي مكان ما، لسا في ظرف يحتوي على أحد أكثر أسرار الكون keeping.