هل يمكن للزمكان أن يتجمد؟
تخيّل معي شيء غريب جداً.
معظمنا يعرف الثقوب السوداء — تلك الوحوش الكونية اللي حتى الضوء ما يقدر يهرب منها. وطبيعي نتخيلها ككتل ضخمة في مراكز المجرات، أو نتاج انهيار نجوم ضخمة في انفجارات سوبر نوفا.
بس اللي يخلّي الموضوع فعلاً ممتع: الفيزياء ما تشترط إن الثقب الأسود يكون ضخم. ما فيه حد أدنى للحجم.
والآن، باحثون من جامعة غوتة فرانكفورت وجامعة فيينا التقنية لقوا شيء مذهل يخص formation الثقوب السوداء الصغيرة جداً — والإجابة تتضمن ما يسمّونه "بلورة الزمكان."
لحظة، الزمكان يقدر... يتجمد؟
خلّيني أوضّح لك الفكرة.
تعرف كيف الماء عند درجة صفر مئوية فجأة يتجمّد؟ لحظة عندك ماء سائل، ويا سلام — الجزيئات ترتّب نفسها بشكل منتظم وتصير ثلج.
هذ الشيء بالضبط ممكن يصير مع الزمكان.
عند ظروف معينة جداً — تخيّل ظروف موجودة بس لحظات بعد الانفجار العظيم لما كان كل شيء كثيف وفوضوي بشكل لا يُصدّق — الزمكان ممكن ينظّم نفسه في نمط متكرر يشبه البلورة. بلورة زمكان.
وهاهنا الجزء الأكثر جنوناً: هذي البلورة غير مستقرة. هي في حالة توازن هشّ جداً، وأي دفعة صغيرة في أي اتجاه يحدّد مصيرها.
المفترق الكوني
تخيّل البلورة واقفه في توازن مثالي.
إذا ما أحد يزعجها، ممكن تذوب وتتحول لزمنك العادي وتخلّي وراها جسيمات عادية تطفو هنا وهناك.
لكن أضف كمية طاقة صغيرة جداً — صغير جداً، تكاد تكون غير محسوسة — والبناء كله ينهار على نفسه.
يصير ثقب أسود.
"هذه البلورة شي غريب وجذاب جداً"، يقول البروفيسور دانيال غروميلر من جامعة فيينا التقنية. "نوع من الحالة الوسطى، نقطة غير مستقرة ممكن تتطور في اتجاهين مختلفين."
الجمال في هذا الكلام
صدقني، اللي يخليني متحمس لهالموضوع هو فكرة التوازنات الدقيقة هذي. الكون، في أساسياته، يشتغل على حافة سكين. أصغر إدخال ممكن يولّد نتائج متناقضة تماماً.
دفعة صغيرة في اتجاه = فراغ هادئ.
دفعة صغيرة في الاتجاه الثاني = متفرّد لا يفلت منه شيء.
المعادلات اللي استغرقت عقود
الآن، القصة اللي تبي تحكي نفسها.
العلماء عرفوا إن هذي الفكرة ممكنة نظرياً من عقود. المحاكاة الحاسوبية أظهرت إمكانية حدوثها من 1993. لكن المشكلة كانت: كتابة المعادلات الرياضية اللي تصف العملية مستحيلة تقريباً.
تحتاج توصف رياضياً كيف الزمكان يعيد ترتيب نفسه، كيف الجاذبية تتصرف في ظروف قاسية، وكيف ثقب أسود ينبثق من العدم. المعادلات صعبة بشكل لا يُوصف.
لكن الباحثين لقوا طريقة ذكية تتجاوز هذا العائق.
سحر الأبعاد اللانهائية
"كوننا له أربعة أبعاد — ثلاثة للمكان وواحد للزمن"، يشرح كريستيان إيكر من جامعة غوتة فرانكفورت. "لكن ما فيه شي يمنعنا من كتابة معادلات فيزيائية لأعداد أكبر من الأبعاد — خمسة أبعاد، اثنين وأربعين، أو حتى عدد لا نهائي."
الجزء الغريب: بدل ما يصعّب المشكلة، الانتقال لأبعاد لا نهائية سهّلها. الحسابات المعقدة اللي كانت شبه مستحيلة في أربعة أبعاد صارت قابلة للحل.
الفريق بعدين رجّع بالحلول خطوة بخطوة عشان يشوف إذا تنتقل لكوننا ذي الأبعاد الأربعة.
ونجحت الطريقة.
"تقنيتنا تثبت إنها مستقرة بشكل مدهش"، يقول فلوريان إيكر من جامعة فيينا التقنية. "باستخدام طرق تقريب إضافية، نقدر نطوّر الصيغ بشكل منهجي."
يعني عندنا الآن أداة تحليلية جديدة كلياً لدراسة ظواهر الثقوب السوداء اللي كانت خارج متناول الرياضيات.
ليش يهمّك هذا؟
أعرف قديماً تفكر: "ذكي، بس كيف يغيّر حياتي؟"
أولاً، تذكير إن الكون أغرب بكثير مما نتخيل. الزمكان نفسه — اللي هو المسرح اللي كل شي فيه يتحرك — ممكن ينظّم نفسه في أنماط ويشهد انتقالات طورية، مثل ما المادة تتجمد أو تتطاير.
وثانياً، الجانب العملي. الثقوب السوداء البدائية — الصغيرة اللي ممكن تكون تكوّنت في بدايات الكون — تظل احتمال مثير العلماء يبحثون عنه. فهم كيفية formationها يساعدنا نعرف وين وكيف نبحث.
الخلاصة
المرة الجاية تشوف مكعب ثلج يتكوّن في الفريزر أو صقيع على نافذة باردة، خذ لحظة تقدّر التشابه.
نفس المبادئ الرياضية اللي تحكم كيف جزيئات الماء ترتّب نفسها تصف — من حيث المبدأ — كيف نسيج الزمكان نفسه ممكن يرتّب نفسه في نمط بلوري — وكيف هذا النمط ممكن ينهار تحت الظروف المناسبة ليصير واحد من أكثر الأشياء تطرفاً في الكون.
الفيزياء مجنونة.
وكل يوم نلاقي طرق جديدة لفهم مدى جنونها.