أهلاً بك يا صديقي! هل فكرت يوماً لماذا لا يمكنك ارتداء القفاز الأيسر في يدك اليمنى؟ الأمر يبدو غريباً وغير مريح، أليس كذلك؟
هذا بالضبط ما يحدث في عالم الكيمياء، وهناك مصطلح علمي يفسر هذه الظاهرة يسمى "التناظر المرآتي" (Chirality). تخيل أن هناك جزيئات كيميائية تشبه يديك تماماً؛ فهي تمتلك نفس الذرات ونفس الترتيب، لكنها مجرد "صورة مرآة" للأخرى. لا يمكنك أبداً أن تجعل اليد اليمنى تنطبق فوق اليسرى تماماً.
في كوكبنا، كل شيء تقريباً "يميني" الاتجاه؛ من الحمض النووي (DNA) إلى السكر الذي يغذي أجسامنا. لكن، ماذا لو وُجدت حياة تعتمد كلياً على النسخة "اليسارية" من هذه الجزيئات؟ هذا ما يسميه العلماء "الحياة المرآتية" (Mirror Life).
لماذا يثير هذا الأمر قلق العلماء؟
لا تتوقع أن ترى كائنات فضائية مرآتية في حديقة منزلك غداً، فالحياة المرآتية لا تزال مجرد فرضية لم نجدها ولم نصنعها بعد.
ولكن، لماذا يقلق الخبراء؟ الإجابة هي "السيطرة". إذا نجح العلماء في المختبر (باستخدام البيولوجيا التخليقية) في صنع كائن حي "مرآتي"، فقد يواجه العالم مشكلة كبيرة.
تخيل بكتيريا "مرآتية" دخلت بيئتنا؛ جهازك المناعي لن يتعرف عليها، والمفترسات الطبيعية لن تستطيع أكلها! ستكون مثل "المحتل الخفي" الذي ينمو وينتشر دون أن يوقفه أي شيء، كأنك تلعب مباراة شطرنج حيث تتحرك قطع الخصم من خلال قطعك دون أي احتكاك!
كيف نكتشف هذا "المحتل الخفي"؟
المشكلة هي أن هذه الكائنات ستكون متطابقة كيميائياً مع كائناتنا، لذا كيف نفرق بينهما؟
هنا يأتي دور الابتكار! فقد اقترح باحثون من جامعتي "ستراثكلايد" و"دورهام" حلاً عبقرياً: استخدام الضوء.
الفكرة تعتمد على تقنية تسمى "الوميض المستقطب دائرياً" (CPL). هل تذكر نظارات السينما ثلاثية الأبعاد (3D)؟ الفكرة قريبة منها جداً.
الخطة هي استخدام "مجسات فلورية" (تخيلها كملصقات جزيئية صغيرة مضيئة). هذه المجسات تلتصق بأجزاء معينة من الخلية، وعندما تضيء، فإنها تخرج ضوءاً "ملتوياً" في اتجاه معين (إما يميناً أو يساراً). من خلال تحليل هذا "الالتواء" في الضوء، يمكن للعلماء معرفة نوع الكائن:
- إذا كان الضوء يلتوي في اتجاه معين، فهو كائن "طبيعي".
- إذا كان الالتواء في الاتجاه المعاكس، فقد وجدنا "الحياة المرآتية"!
الاستعداد للمستقبل
العلماء لا يغامرون؛ فهم يقترحون استخدام مزيج من عدة مجسات معاً للتأكد من أن النتيجة دقيقة تماماً وليست مجرد "إنذار خاطئ".
وكما قال الدكتور لويس ماكنزي، أحد الباحثين: "نحن لا نتوقع ظهور الحياة المرآتية غداً، لكن من الأفضل أن نجهز الكشاف قبل أن ندخل الغرفة المظلمة".
إنه أمر مثير حقاً! نحن نتحدث عن "عمل بوليسي" على مستوى الجزيئات، هدفه حماية كوكبنا من أي مفاجآت بيولوجية غير متوقعة في المستقبل.