قصة ضابط فرنسي غيّر مجرى التاريخ الياباني
عندما ضاقت الخيارات
تخيّل معي: أنت ضابط فرنسي في ستينيات القرن التاسع عشر. عبرت المحيط لمساعدة اليابان على تحديث جيشها. كل شيء يمشي كما خططت له. وفجأة، تتغير الحكومة بالكامل من حولك. الإمبراطور يستلم السلطة ويأمر كل الأجانب بالمغادرة.
ماذا ستفعل؟
لو سألت جول برونييه، سيقول لك: أبقى. أنشق عن الحكومة الجديدة. أساعد مجموعة من الساموراي على بناء جمهورية حقيقية. وأستعد لحرب ضد جيش الإمبراطور كله.
هذه ليست خيالاً. هذه قصة حقيقية. وبصراحة؟ لو كتبها كاتب في هوليوود، لاتهمّوه بالإفراط في الاختراع.
اليابان قبل العاصفة
لأكثر من 250 سنة، حكمت اليابان عائلة توكوغاوا من خلال نظام الشوغونات. هؤلاء كانوا قادة عسكريين أقوياء يتحكمون في البلاد.
لكن لا تظن أن هذه كانت فوضى أو تخلف. توكوغاوا جمعوا اليابان تحت حكم واحد. أنشأوا حكومة مركزية. وأغلقوا البلاد أمام العالم الخارجي بالكامل.
ثم جاءت ستينيات القرن التاسع عشر.
القوى الغربية كانت تضغط بقوة لفتح التجارة. كثير من اليابانيين شعروا أن الشوغونية ضعيفة جداً أمام هؤلاء الغربيين. الغضب كان يتراكم. دعاة التغيير طالبوا بإسقاط النظام القديم. كانوا يتجمعون حول الإمبراطور مييجي الشاب.
الشوغونية بدأت تتداعى.
فرنسا تراهن على الحصان الخاسر
فرنسا كانت أرسلت الكابتن تشارل شانوين لمساعدة الشوغونية على تطوير جيشها. لكن عندما بدأ النظام يسقط، اتخذت باريس قراراً غريباً: دعم الطرف الخاسر سراً.
الفكرة كانت استراتيجية بحتة. لو نجحت فرنسا في إنقاذ الشوغونية، ستصبح حليفة قوية لفرنسا في آسيا.
المهمة بدأت تتعثر. كل شيء كان ينهار.
لكن رجلاً واحداً في الفريق الفرنسي لم يقبل بالاستسلام.
جول برونييه: الرجل الذي اختار البقاء
عندما أمرت حكومة مييجي الجديدة كل المستشارين العسكريين الفرنسيين بمغادرة اليابان عام 1868، استعد معظمهم للسفر. لكن جول برونييه وقف ونظر إلى الخريطة بطريقته الخاصة.
اختار أن يبقى.
ثمانية ضباط فرنسيين آخرين انضموا إليه. انسحبوا من يوكوهاما بحجة زيارة مصنع أسلحة. وجهتهم الحقيقية كانت لقاء الأميرال إينوموتو تيكاآكي، الذي كان يقود أسطولاً موالياً للشوغونية.
برونييه صعد على متن السفينة. واتجها شمالاً.
شمالاً نحو جزيرة تُدعى إيزو.
جمهورية من العدم
بحلول نهاية 1868، كان برونييه وحلفاؤه اليابانيون قد سيطروا على جزيرة إيزو — التي نعرفها اليوم باسم هوكايدو. استولوا على ميناء هاكوداته شيئاً فشيئاً. الإمبراطور مييجي لم يقف مكتوف اليدين. طالبهم بتسليم أسلحتهم والقبول بحكمه.
هم رفضوا.
في أوائل 1869، أعلنت إيزو نفسها جمهورية مستقلة. هاكوداته أصبحت العاصمة. وهنا يأتي الجزء المذهل: عقدوا انتخابات.
نعم، فقط الساموراي كان لهم حق التصويت. لكن تذكّر: هذه كانت المحاولة الأولى والوحيدة حتى اليوم لبناء نظام ديمقراطي في تاريخ اليابان.
إينوموتو تيكاآكي، النبيل والضابط المخضرم، انتُخب رئيساً. كيسوكي أوتوري، المحارب الشجاع، أصبح وزيراً للدفاع.
أما جول برونييه؟ عُيّن وزيراً للخارجية.
تخيل اجتماعاً كهذا. ضابط فرنسي جالس في حكومة يابانية، يتفاوض مع دول أجنبية للاعتراف بدولة جديدة على جزيرة متجمدة في المحيط الهادئ.
برونييه لم يكن يمارس الديبلوماسية فقط. كان يشرف على تحصين المواقع. يدرب الجنود على التكتيكات الفرنسية الحديثة. ويقوي قلعة على شكل نجمة تُدعى غوريوكاكو. ستة حصون تم بناؤها أو تعزيزها. آلاف الجنود زُوّدوا بالبنادق الحديثة.
كانوا يستعدون للحرب. وكانوا يعلمون أنها قادمة.
نهاية الحلم
ربيع 1869. القوات الإمبراطورية وصلت أخيراً. حوالي سبعة آلاف جندي — جيش ضخم بمعايير تلك الحقبة.
حاصروا قلعة غوريوكaku.
جمهورية إيزو كان معها ثلاثة آلاف جندي فقط.
لكن أولئك الجنود تدربوا على أيدي محترفين فرنسيين. كانوا يملكون مدافع. مواقعهم كانت محصنة. لفترة، صدّوا الهجمات.
لكن الأرقام لها كلمة أخيرة. القوات الإمبراطورية كانت ساحقة. بعد معارك شرسة، سقطت المقاومة. إينوموتو استسلم. الجمهورية ذابت.
وجزيرة إيزو أُعيدت تسميتها هوكايدو، وأُدرجت رسمياً في الدولة اليابانية الجديدة.
أما برونييه؟ نجح في الهروب مع بضعة ضباط فرنسيين. وصلوا إلى فرنسا سالمين. لم يُعدموا ولم يُسجنوا. يبدو أن الحكومة اليابانية الجديدة فضّلت النسيان والمضي قدماً.
برونييه عاد إلى حياته العسكرية. وصار جنرالاً في النهاية.
لماذا يجب أن نتذكر هذه القصة؟
الشيء الذي يثير التفكير في قصة جمهورية إيزو: ليست مجرد ملاحظة صغيرة في التاريخ. إنها نافذة على لحظة فاصلة في تاريخ اليابان.
العالم القديم كان يموت. نظام جديد كان يُولد. ولحظة عابرة، حاول مجموعة من الخارجين على النظام بناء شيء مختلف تماماً — جمهورية آسيوية في عصر كان فيه معظم القارة لا يزال يحكمه أباطرة وملوك.
فشلوا بالطبع. استعادة مييجي انتصرت. اليابان تحولت إلى دولة حديثة، ثم قوة عسكرية هائلة فاجأت العالم.
لكن جمهورية إيزو تذكّرنا بأن التاريخ ليس خطاً مستقيماً. أحياناً، يأخذ طرقاً غريبة. أحياناً، ضابط فرنسي يقرر البقاء والقتال من أجل قضية خاسرة.
التاريخ فوضوي هكذا. وهذا بالضبط ما يجعله مثيراً للاهتمام.