عالم العلوم والتكنولوجيا
→ الصفحة الرئيسية
لماذا يتسلّق البعض بلا حبال؟ حتى علماء النفس لم يجدوا جواباً

لماذا يتسلّق البعض بلا حبال؟ حتى علماء النفس لم يجدوا جواباً

2026-07-08T19:10:55.967343+00:00

لماذا نراقب من يتسلق بلا حبال؟

ذلك الشريط الذي لا نستطيع إيقاف النظر عنه

هناك شيء غريب يحدث حين تفتح تطبيقاً وتجد فيديو لشخص يتسلق جداراً بعمق ثلاثين متراً، أصابعه فقط هي التي تفصله عن السقوط. يدك تلقائياً تتوقف فوق الشاشة. لا تضغط تشغيل. لا تضغط إيقاف. تبقى هناك معلّقاً في المنتصف، وبينما تعرف أن هذا الشخص قد يسقط في أي لحظة، لا تستطيع أن تبعد نظرك.

هذا هو جوهر مفارقة المشاهدة الحرة.

نحن كائنات بُرمجت على البقاء. قلوبنا تتسارع أمام الخطر. عقولنا تُطلق إنذاراتها حين نرى شخصاً على حافة هاوية. ومع ذلك، نقضي ساعات نراقب strangers يتسلقون صخوراً بدون أي شبكة أمان.

لماذا؟


ما الذي يدفع الإنسان لذلك؟

حين تسأل متسلقاً حراً "لماذا تفعل هذا؟"، لن يقول لك "أريد أن أموت". لن يقول لك حتى "لا أخاف". الحقيقة أبسط وأكثر تعقيداً من كليهما.

الضغط الاجتماعي عند المتسلقين مرتفع جداً. الصورة الذهنية عن المتسلق الشجاع الذي يتحدى الطبيعة بقسوة... هذه الصورة تبني سمعة في مجتمع يتقاسم فيه الجميع نفس القمم والصخور. لكن هذا ليس السبب الحقيقي.

السبب الحقيقي هو الوضوح.

في حياتنا اليومية، نحن غارقون في الضوضاء. رسائل، إشعارات، قرارات صغيرة لا تنتهي. الدماغ يُعالج آلاف المدخلات كل ساعة. لكن حين تقف أمام جدار صخري بدون حبال، يحدث شيء مذهل.

التفكير يتوقف. الصمت يدخل رأسك. هناك فقط أنت، والصخرة، والخطوة التالية.

هذا النوع من الوضوح العقلي يدمنك أكثر من أي مادة كيميائية. المتسلقون الذين جربوه يصفونه بنفس الطريقة: إحساس بأنك حاضر تماماً في اللحظة، أن كل شيء آخر قد اختفى، أنك تعيش بصدق لأول مرة منذ أشهر.


العقل في حالة تسلق

ما لا يفهمه كثيرون هو أن التسلق الحر ليس عملاً متهوراً. إنه في الحقيقة نوع من أنواع التأمل النشط.

المتسلق الشجاع ليس من لا يشعر بالخوف. المتسلق الشجاع هو من تعلّم كيف يتعامل مع الخوف، كيف يحوله من عدو إلى صديق، كيف يستخدم نبضات قلبه المتسارعة كوقود بدلاً من أن تجعله يتجمد.

الفرق بين المتسلق المبتدئ والمحترف يظهر في كيفية قراءة الجسم للعقليات. المحترف يلاحظ التشققات قبل أن يصل إليها، يحسب المسافات بعينيه، يخطط عشر خطوات قادمة وهو لا يزال في الخطوة الخامسة. دماغه لا يعمل بالحدس، بل بالخوارزميات المعقدة التي طوّرها عبر سنوات من التدريب.

الخطأ الذي يرتكبه الجمهور هو الظن بأن هؤلاء الأشخاص لديهم قدرات خارقة. في الحقيقة، أغلب المتسلقين الأحرار بشر عاديون، ربما أقل رياضياً منك، لكنهم امتلكوا شيئاً واحداً: صبراً لا نهائياً على تكرار نفس الخطوة مئات المرات.

أليكس هونولد، أشهر المتسلقين الأحرار، كان يمارس حركة فتح اليد على حافة الطاولة بينما يتحدث معك. يفتحها، يقبضها، يفتحها، يقبضها. ألف مرة في اليوم. لأنه يعرف أن لحظة واحدة من فقدان التركيز على حافة الصخر قد تعني كل شيء.


بين السحر والموت

لا يمكننا الحديث عن التسلق الحر دون مواجهة الحقيقة بشكل مباشر: هذه الرياضة ت杀死 الناس.

كل عام، يسقط متسلقون. أصدقاءنا، أبطالنا، أشخاص كنا نتابعهم على انستغرام قبل أيام. السقوط لا يُنذر. لا يأتي مع صوت أو تحذير. يأتي فجأة، في لحظة، ثم ينتهي كل شيء.

هذا الواقع يلقي بظلاله على كل صعود. كل مرة يصعد فيها متسلق حر، هو يصعد وهو يعرف أن هذه قد تكون الأخيرة. هذه المعرفة ليست عائقاً في طريقه، بل هي جزء من الرحلة نفسها.

الانجذاب نحو الخطر ليس عبثياً. العلماء يشرحون أن أجسادنا تُفرز مادة الدوبامين بشكل مكثف في حالات الخطر المحسوب. الخطر هنا "محسوب" لأن المتسلق يثق بتدريبه، بمهاراته، بتخطيطه. المخاطر موجودة، لكنها ليست عشوائية. وهذا الفرق يخلق توازناً دقيقاً بين الإدمان والجنون.

الناس الذين يتسلقون بلا حبال ليسوا انتحاريين. العكس تماماً. إنهم يأخذون أماناً محسوباً يتجاوز ما يفعله معظم الناس في حياتهم اليومية. أنا أرى سائقين يستخدمون هواتفهم أثناء القيادة بسرعة مئة وعشرين كيلومتراً في الساعة، بينما أراقب متسلقاً يقطع كل المشتتات قبل صعوده ويتحقق من كل حركة قبل تنفيذها.

المفارقة الحقيقية ليست في تسلق الجبال. المفارقة أن مجتمعاتنا تُخاطر بحياتها في أشياء عادية لا تُشعرنا بأي حماسة، لكنها ترفض قبول المخاطر المحسوبة التي تمنحنا الحياة بمعناها الكامل.


رأيي بصراحة

لست متسلقاً. لم أتسلق جداراً في حياتي. لكنني قضيت وقتاً طويلاً مع أشخاص يفعلون ذلك، أراقبهم، أسألهم، أحاول أن أفهم.

ما رأيته هو أن المتسلقين الأحرار ليسوا superheroes ولا مجانين. إنهم بشر يبحثون عن شيء وجدوه في مكان لا يجد فيه معظم الناس إلا الخوف.

أعترف أنني لا أفهم ذلك الإحساس تماماً. لن أفهمه فعلاً إلا إن صعدت بنفسي. لكنني توقفت عن الحكم على الخيار كأنه قرار سخيف. لأن من اتخذه يقول لي إنه أنقذ حياته بطريقة ما. وهذا يستحق الاحترام حتى لو لم أفهمه.

ما أفهمه هو الرغبة في الوضوح. الرغبة في أن تكون حاضراً في اللحظة بالكامل. أن تملك دقائق تمحو فيها كل ضوضاء اليوم.

ربما نعم، ربما أخطئ، لكنني أظن أن كل واحد منا يحمل شيئاً يشبه التسلق الحر. شيء يبدو للآخرين مجنوناً أو غريباً، لكنه يمنحنا نحن بالذات إحساساً بالحياة لا نجده في أي مكان آخر.


حكايات من القاعدة

القصة الأولى ليست عن سقوط. هي عن صعود.

صادفت متسلقاً في الأربعين من عمره في مخيم عند قاعدة峭壁. سألته عن أكثر لحظة نسي فيها الخوف. ابتسم وقال: "لم أنسه أبداً. لكنه لم يعد يهمني".

ثم واصل: "في عام 2018، توقفت عن التسلق لثلاث سنوات بسبب إصابة. عدت إلى المكتب، إلى الاجتماعات، إلى الروتين. في يوم من الأيام، وأنا أجلس أمام الحاسوب، وجدت نفسي أحسب المسافات بين قطع الغيار على الشاحنة التي أمام نافذتي. كنت أخطط لطريق تسلق على شاحنة متحركة".

ضحكنا معاً. لكنه تابع بنبرة مختلفة: "عرفت حينها أن هذا الشيء لن يتركني. إما أن أعيشه، أو أبقى أحسب المسافات على كل شيء أراه".

القصة الثانية أكثر قسوة.

التقيت شابة في العشرين من عمرها، أخبرتني أنها فقدت صديقها قبل أشهر في سقوط أثناء تسلق حر. سألتني عمّا إذا كانت ستتوقف. نظرت إليّ بذهول كأنني سألتها عن سبب التنفس.

"هل تتوقف عن القيادة لأن الناس يموتون في حوادث؟" سألتني. "هل تتوقف عن الأكل لأن شخصاً ما اختنق؟"

لم أعرف ماذا أقول. ثم قالت: "ما أعرفه هو أنه لم يكن ليموت سعيداً في السرير. كان إما سيموت فوق تلك الصخرة، أو سيموت في بيت متنفساً بصعوبة وهو يحلم بتلك الصخرة".

صمتت لحظة، ثم أضافت: "أنا لم أخترعه. أنا فقط أكمل الطريق".


خاتمة بلا إجابات

عدت من تلك الرحلة وأنا أحمل أسئلة بدلاً من إجابات.

لم أعد أرى المتسلقين الأحرار بنفس الطريقة التي كنت أراهم بها. لم أعد أعتبرهم متهورين أو باحثين عن الموت. أصبحت أراهم كبشر اختاروا طريقة مختلفة للتعامل مع الحياة، بطريقة تبدو غريبة لكنها تمنحهم شيئاً لا أستطيع إنكار قيمته.

ربما الطريقة الوحيدة لفهمهم هي أن نقترب بصدق. أن نسألهم بفضول بدلاً من الحكم. أن نحاول أن نرى العالم من خلال عيونهم للحظة واحدة.

أو ربما كفى تحليلاً. ربما يكفي أن نقول إن هناك أشخاصاً يتسلقون بلا حبال في وقت مبكر من صباح يوم جمعة، وأنا جالس هنا أكتب عنهم بدلاً من أن أفعل شيئاً مشابهاً.

ربما هذا يكفي للتساؤل: ما هو جداري الصغير الذي أخافني وخفت أن أصعده؟

سؤال لا أعرف إجابته. لكنني سعيد أنني بدأته أسأله.

#climbing #extreme sports #psychology #free soloing #adventure