الكون يقلّص إنتاج نجومه... والسبب غامض!
إليكم شيئًا يصعب تصديقه: الكون خلال آخر 4.5 مليار سنة يعيش مرحلة "حمية غذائية" صارمة لإنتاج النجوم. معدل تكوّن النجوم انخفض إلى أقل من النصف عمّا كان عليه سابقًا. هذا انخفاض هائل فعلًا.
التفكير المنطقي يقول: إذًا الكون ينفد منه الوقود، أليس كذلك؟ النجوم تتكوّن من الغاز والغبار، فقلّة النجوم تعني نقصًا في المادة الخام.
لكن الصورة تتغيّر تمامًا حين نتعمّق أكثر.
الغاز موجود... لكن لا يُستخدم!
دراسة جديدة أثارت اهتمام علماء الفلك وأوقعتهم في حيرة في الوقت ذاته. النتائج تُظهر أن الكون لا يزال يمتلك كمية وفيرة جدًّا من الهيدروجين الذي يجب أن يُغذّي عملية تكوّن النجوم. المشكلة أنه ببساطة لا يُستهلك. تخيّلوا خزّان وقود لا يزال ممتلئًا نصفه، لكن المحرّك يرفض أن يعمل!
تفاصيل الدراسة
فريق بحثي من الأكاديمية الصينية للعلوم، بالتعاون مع مشروع DESI لتصنيف الطاقة المظلمة، استخدم التلسكوب الصيني العملاق FAST لرصد الهيدروجين الذري المحايد عبر الـ 4.5 مليار سنة الماضية. الفريق درس حوالي 2.5 مليون مجرّة موزّعة على ثلث السماء — وهذا مسح ضخم بكل المقاييس.
النتائج كانت صادمة: بينما تراجع تكوّن النجوم إلى نحو 40% فقط من معدّله السابق، انخفضت كمية الهيدروجين المحايد (العلميون يسمّونه HI) إلى حوالي 70% فقط من مستوياته السابقة.
هذه الفجوة كبيرة جدًّا. منطقًا، نتوقّع أن الرقمين يجب أن يتقاربا. إذا كانت المجرّات تستهلك احتياطياتها الغازية لصنع النجوم، كان يجب أن يختفي الهيدروجين بالطريقة نفسها التي تتراجع بها عملية تكوّن النجوم.
لكن هذا لا يحدث.
ما الذي يحصل إذًا؟
المثير هنا أن الباحثين يرجّحون أن المشكلة ليست في كمية الهيدروجين الموجودة، بل في ما يحدث له بعد تكوّنه.
تخيّلوا خط إنتاج في مصنع. الهيدروجين الذري المحايد أشبه بالمواد الخام المكدّسة في المستودع. لكن لصنع نجوم فعلًا، تحتاج هذه المواد الخام إلى مراحل إضافية. يجب ضغطها لتتحوّل إلى هيدروجين جزيئي (H2)، وهو أكثر كثافة بكثير، ثمّ ينهار تدريجيًّا ليُشكّل السحب الكثيفة التي تنشأ فيها النجوم.
الدراسة الجديدة تقول إن المشكلة ليست في المستودع، بل في خط الإنتاج نفسه!
مع تقدّم عمر الكون، يتضاءل تدفّق الغاز من الشبكة الكونية — تلك الخيوط الهائلة من المادة التي تربط المجرّات ببعضها. كثافة الغاز في انخفاض مستمر، وهذا يجعل عملية تحويل الهيدروجين الذري إلى الشكل الجزيئي القادر فعلًا على صنع نجوم أمرًا أصعب فأصعب.
الهيدروجين موجود هناك. لكنّه عالق. تمامًا كأن تملك جميع قطع غيار السيارة، لكن روبوتات المصنع قرّرت أن تأخذ إجازة.
لماذا هذا مهمّ؟
هذا البحث يبدّل السؤال المركزي الذي طالما سأل به علماء الفلك. قبل هذه الدراسة، كان السؤال: "هل ينفد الغاز من الكون؟"
الآن، بفضل هذه القياسات الدقيقة، السؤال أصبح: "لماذا أصبح الكون سيئًا جدًّا في الاستفادة من الغاز الذي يملكه؟"
الفرق دقيق لكنّه جوهري. كنّا نفحص إذا كان خزّان الوقود فارغًا. الآن علينا أن نفهم لماذا المحرّك يرفض حرق ما هو موجود فيه أصلًا.
بالنسبة لي، هذه النتائج تمثّل تمامًا سبب سحر علم الفلك. الفضاء ليس شاسعًا فحسب — بل ذكيّ في طريقة المفاجآت التي يقدّمها لنا. نفترض تفسيرات بسيطة، فيردّ علينا الكون بتعقيد أنيق.
الكون لا يزال يملك هيدروجينًا وفيرًا. لكن تحويل هذا الهيدروجين إلى نجوم؟ هذا أصبح أعظم تحدٍّ يواجهه الكون.
وأينما كان، هناك تريليونات من النجوم المحتملة تنتظر فقط أن يستأنف خط الإنتاج الكوني عمله من جديد.
المصدر: ScienceDaily