النقاط الحمراء الغامضة في الكون
تخيّل معي: أنت فلكي تجلس خلف أقوى تلسكوب صُنع على الإطلاق، تُوجّهه نحو أعماق الكون البعيدة، وفجأة ترى آلاف النقاط الحمراء الصغيرة منتشرة في كل مكان. ما هذه الأشياء؟ كيف ظهرت؟ والسؤال الأغرب — لماذا اختفت؟
هذا بالضبط ما حدث حين بدأ تلسكوب جيمس ويب الفضائي (الذي يُناديه العلماء اختصاراً "ويب") بإرسال صوره الأولى في عام ٢٠٢٢. ظهرت هذه النقاط الحمراء الصغيرة — التي يسمّيها العلماء LRDs — في جميع أنحاء الكون المبكر، تتوهج بألوان الياقوت الأحمر والعنّابي. ومنذ ذلك الحين، وهي تُجنّ جنون الفلكيين قليلاً.
اللغز
المشكلة أن هذه النقاط الحمراء الصغيرة كثيرة جداً في الكون البعيد والسابق. لكن حين تنظر إلى المجرات الأقرب إلينا — تلك التي تكوّنت في زمن أحدث — تختفي هذه النقاط تقريباً. إذن فهي إمّا:
- اختفت بصفة نهائية
- تحوّلت إلى شيء لا يمكن التعرف عليه
- أو أننا ببساطة لم نرها بالشكل الصحيح طوال هذه المدة
اكتشاف مثير
وهنا يصبح الأمر مثيراً للاهتمام فعلاً. فريق من الباحثين يقوده بيرلويجي رينالدي ربما وجد الإجابة: ماذا يحدث لهذه النقاط الحمراء؟
اكتشف الفريق مجرّة حلزونية获得了 اسم "الساغوارو" (نسبة إلى صبّار الصحراء الأمريكية الشهير) لأن أذرعها الحلزونية تتمدّد للخارج بشكل يُشبه فعلاً نبتة الصبّار. تقع هذه المجرّة على بُعد يجعلنا نراها كما كانت قبل نحو ٣.٣ مليار سنة من الانفجار العظيم. ليست قريبة، لكن ليست بعيدة لدرجة المستحيل أيضاً.
في قلب هذه المجرّة يوجد مصدر مدمج ساطع باللون الأحمر، يبدو مشابهاً بشكل ملفت للنقاط الحمراء الغامضة التي نراها في الكون البعيد. والجميل في الأمر أننا نستطيع رؤية هيكلها الكامل — وليس فقط نواتها اللامعة — لأن هذه المجرّة أقرب إلينا.
هل كانت只是一种 هلوة كونية؟
ما هو الاختراق الحقيقي هنا؟ يقترح الباحثون أن النقاط الحمراء الصغيرة قد لا تكون فئة منفصلة وغريبة من الأجرام الكونية. ما نراه قد يكون نوعاً من الوهم.
تخيّل الأمر هكذا: حين تنظر إلى مجرّة بعيدة جداً، تبهت البنى المحيطة بها — الأذرع الحلزونية، المناطق الخارجية، سحب الغبار — حتى أن تلسكوب ويب العظيم لا يستطيع التقاطها. أنت ترى فقط المركز شديد السطوع، كأنك تنظر إلى مدينة بعيدة فتستطيع فقط رؤية توهّج ناطحات السحاب المركزية ضد الظلام.
بمعنى آخر: ربما خدعتنا المسافة نفسها.
العلاقة بالمادة السوداء
لكن ها هنا ما يجعل الأمر أكثر روعة فعلاً. أكّد الفريق أن المركز الأحمر المدمج في مجرّة الساغوارو ليس مجرد بقعة عادية من النجوم — بل يضم ثقباً أسود فائق الكتلة ونشط، يُعرف علمياً باسم "نواة مجرّية نشطة". هذه الثقوب السوداء تبتلع المادة القريبة وتُطلق كميات هائلة من الطاقة.
تنتج مجرّة الساغوارو أيضاً انبعاثات ضعيفة من أشعة إكس، مما يُؤكّد وجود أحد هذه الثقوب السوداء الجائعة في قلبها. إشارة أشعة إكس هذه مخفية وضعيفة نسبياً، وهو ما قد يُفسّر صعوبة اكتشاف إشارات مشابهة من النقاط الحمراء البعيدة.
قال جورج ريكي من جامعة أريزونا: "أخيراً بدأنا نرى ما تصير إليه هذه الأشياء." وهذا فعلاً أمر مهم جداً.
لماذا يهمّنا هذا؟
ما أجده جميلاً فعلاً في علم الفلك هو أننا نُمثّل عمل المحقّقيين في مسرح جريمة وقعت قبل مليارات السنين. كل دليل يُساعدنا في إعادة بناء قصة كيف تطوّر كوننا من نقطة صغيرة حارة كثيفة إلى هذا الحيّ الكوني الهائل الذي نعيش فيه اليوم.
كانت هذه النقاط الحمراء الصغيرة واحدة من أكبر المفاجآت التي قدّمها تلسكوب ويب، وقد ذكّرت العلماء بأن الكون لا يزال مليئاً بالأسرار. والآن، بفضل هذا البحث الجديد، بات لدينا فهم أفضل لكيفية نموّ المجرّات — والثقوب السوداء في قلوبها — وتحوّلها عبر الزمن الكوني.
قد تكون مجرّة الساغوارو واحدة فقط من المجرّات، لكنها قد تكون المفتاح لفهم آلاف النقاط الياقوتية الحمراء المنتشرة في الكون المبكر. وأجد شيئاً شعرياً جميلاً في أن تُساعدنا مجرّة على شكل صبّار في حل إحدى أحدث ألغاز الفضاء.
الكون يمتلك حسّاً فكاهياً غريباً، أليس كذلك؟