المدفع اللي ما بيموت
تخيّل معي: السنة 2024، وفي مكتب الخطط العسكرية الأمريكية، حد بيطلّع صور قديمة من الحرب العالمية التانية. بيشوف السفن الحربية الضخمة وهي ترمي قذائف عملاقة عبر البحر. وبيقول: "ليه ما نرجع نعمل كده تاني؟"
ده بيحصل كل شوية. كل عقدين، الجيش يرجع يحلم بمدافع عملاقة تقذف قذائف مسافات بعيدة زي الطيارات التجارية. بس كل مرة، الحلم يصطدم بالواقع ويخسر.
أيام المجد الحقيقية
نرجع شوية للـ1940s. المدافع الضخمة دي كانت فعلاً مذهلة. في معركة مضيق سوريغاو سنة 1944، السفن الأمريكية رمَت قذائف 16 إنش – كل واحدة وزنها زي عربية صغيرة – مسافة أكتر من 18 كيلو. الانفجار من الفوهة كان زي نار تنين طالعة.
في أوروبا، الألمان استخدموا مدافع على سكك حديدية اسمها "أنزیو آني". رمَت قذائف 64 كيلو بعيد، ودمّرت سفن في الموانئ. ده كان قمة قوة المدافع الكبيرة.
بس حتى وقتها، المدافع دي كانت بتبقى قديمة. الصواريخ جت وخدت مكانها.
مشكلة الضخامة
لو عايز مدفع يضرب أبعد، عندك حلين أساسيين:
طوّل الفوهة. الفوهة الطويلة تبني ضغط أكبر، وتسرّع القذيفة أسرع.
وسّع الفوهة. قطر أكبر يسمح بحشو متفجر أكتر لدفع أقوى.
المشكلة الكبيرة: المدفع نفسه لازم يبقى أقوى عشان يستحمل الضغط. الفوهة تبقى أثخن وأثقل. المنصة اللي تحمله – زي الدبابة أو السفينة – لازم تكون أضخم عشان تمتص الارتداد. فجأة، حلك البعيد بيبقى قلعة 40 طن ثابتة، تكلفتها ملايين.
الصواريخ؟ خفيفة، متحركة، دقيقة جداً. تطلق من أي مكان وتضرب مئات الكيلومترات. ما بتدمّر اللي بتحملها. غالية؟ أيوه. بس المدفع العملاق ده غالي ومش مضمون.
الدورة المتكررة
الجيش جرّب كتير:
في العقد الأول من الألفية، أمريكا رمَت مشروع "كروسيدر" – مدفع 40 طن – عشان الوزن ده مش عملي في الحروب الحديثة.
حوالي 2010، الصين وروسيا طوّروا مدفعية بعيدة المدى. الخططيين الأمريكان قالوا: "نعمل مدافعنا أبعد!" وكأنهم نسيوا الـ70 سنة فشل اللي فاتوا.
دلوقتي، بنسمع عن مدافع ريلغان جديدة وسفن حربية عملاقة بمدافع كبيرة. زي واحد بيحاول يفتح باب، يخبط كتف فيه، يروح 5 سنين، ويرجع يخبط تاني.
ليه مش بينجح
المشكلة الأساسية: الصواريخ فازت بالسباق. أسرع، أدق، أقل عرضة للرد، ومش محتاجة منصة تقاوم فيزياء دفع قذيفة طنين بسرعة صوتية.
المدافع العملاقة أرخص نظرياً؟ على الورق بس. في الواقع:
- الفوهات بتتهرّى وتحتاج صيانة دايماً
- القذائف خاصة وغالية
- المنصة ضخمة وغالية عشان الارتداد
- بتنطلق من أماكن ثابتة
- العدو يعرف مكانها بالضبط
الصواريخ؟ من طيارات، سفن، شاحنات، غواصات. مرنة وبتتكيّف.
القصة الحقيقية
اللي ممتع في هوس الجيش بالمدافع العملاقة مش المدافع نفسها. ده إنهم بيأملوا إن اختراع هندسي هيغيّر قوانين الفيزياء.
مش هيحصل.
كل مرة حد يتحمّس بـ"مدفع عجيب" جديد، بيراهن إن معدن أذكى أو قذائف أفضل هتحل مشاكل موجودة من أيام البارود. مفاجأة: مش هتحل.
أنا فاهم جاذبية المدافع الكبيرة. فيها إحساس قوي ومباشر. بس ده السبب إن الجيش لازم يراهن على الصواريخ.
مش كل القديم هو المستقبل. أحياناً، القديم بس قديم.